تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

229

وشاء القدر أن يكون مظهر هذا مسألة خلق القرآن، لأنها أثيرت من قبل - كما رأيت - ولأنها مست أصلا من أصول الدين وهو التوحيد؛ وكان يمكن أن يكون المحك مسألة أخرى كرؤية الله يوم القيامة، وكخلق الأفعال؛ ونحو ذلك من مسائل الاعتزال؛ ولكن مسألة خلق القرآن كانت أوضح، وعذر المنكر فيها أضعف، فإن رؤية الله يستطيع أن يهرب المجيب بأنا سنكون يوم القيامة خلقا آخر، ليست عيوننا كعيوننا في الدنيا، ولأن مسألة خلق الأفعال ليست جلية، ففي القرآن آيات تدل على هذا وذاك، أما خلق القرآن فعليه الأدلة العقلية والنقلية جلية.

ثم في كل مسائل التاريخ توجه الظروف الحوادث جهات قد لا تخطر على البال؛ فقد أصدر المأمون «ديكريتو» بتحليل المتعة وبتفضيل علي، ولكن لم تتطور الحوادث فيهما كتطورها في هذه المسألة، لأن المأمون اكتفى فيهما بالقرار ولم يصدر أمرا بالامتحان؛ أما في خلق القرآن فأصدر أمرا بالامتحان، وكانت وجهة نظره في ذلك أن القضاة والشهود يجب أن يكونوا مؤمنين ولا يوثق بأحكام القضاة ولا شهادة الشهود إذا فسدت عقيدتهم؛ كما صرح هو بذلك في كتابه الأول، ومن اعتقد بقدم القرآن فقد أشرك، ومتى أشرك لم يصح منه حكم ولا شهادة؛ ولكنه نظر فرأى قوما لما امتحنوا أنكروا القول بخلق القرآن وقوما لم يريدوا أن يصرحوا؛ وغاظه جدا أن يرى قوما من هؤلاء وهؤلاء يعرف منهم سوء النية وضعف الدين، فمنهم المرتشي والمرابي، وأنهم قد حملهم على مخالفته حب الحظوة عند العامة، فتألم من هذا. وكان المأمون مع حلمه له لحظات حدة، وانفعالات غضب، فثار ثائره واشتد في طريقه، وغلا في عمله، ومن حوله من المعتزلة يدفعونه أيضا إلى ذلك لأنه وفق عقيدتهم، ولأنه وفق هواه.

ومن الناحية الأخرى، فالناس من طبيعتهم حب المعارضة والعطف عليها، سواء في ذلك المعارضة السياسية والمعارضة الدينية، وهم أشد تحمسا للمعارضة الدينية، فوقف المأمون ورجاله في صف، ووقف هؤلاء العلماء المعارضون والعامة من ورائهم ، وتكون بذلك معسكران، وكلما أفرطت الحكومة في التعسف أفرط العامة في التصفيق للمعارض. وظلت كل خطوة تدفع إلى ما وراءها. وكلما علت نغمة حزب أعلى الآخر نغمته حتى تفوقه. وفي عهد المعتصم صار زعيم الحكومة الخليفة؛ وحوله العلماء المعتزلة ورجال الدولة؛ وزعيم المعارضة أحمد ابن حنبل وحوله قلوب الشعب.

وتورطت الحكومة وأصبح من الصعب رجوعها، لأنها من ناحية تعتقد أنها على حق، وأن خصومها ليسوا إلا مشاغبين، وأكثرهم يحب التصفيق أكثر من حبهم للحق. ومن ناحية أخرى فالرجوع عن ذلك يضيع هيبة الحكومة، ويمكن العامة وقادتهم الجهال في نظرهم من السيطرة على الحكومة، وفي هذا خطر كبير.

هذه هي وجهة نظر المعتزلة والحكومة. وأما وجهة نظر المعارضين، فيظهر لي أنهم لم يكونوا جميعا على رأي واحد كما كانت المعتزلة، بل كانوا أصنافا، أمثلهم قوم كانوا في باطن أنفسهم مع المعتزلة في أن القرآن مخلوق، ولكنهم يرون أن الكلام في هذا لا يصح، ولا يصح أن يصل إلى العامة، لأنهم ليسوا أهلا للنظر، وأنا إذا قلنا لهم القرآن مخلوق لم يبق في نفوسهم إلا شيء واحد هو عدم التقديس والإجلال، وهذا يدعو إلى ضعف العقيدة، فوجب أن يسد هذا الباب بتاتا، حفظا لدين العامة وهم السواد الأعظم في الأمة. ولذلك كان هؤلاء إذا سئلوا لم يجيبوا ولم يقولوا إنه مخلوق ولا إنه غير مخلوق، ولا يزيدون عن قولهم إنه كلام الله. وزادهم إيمانا بذلك أنها مسألة لم تثر في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

ولا صحابته، فما الداعي إلى إثارتها الآن؟ وقد كان إيمان النبي

صلى الله عليه وسلم

والصحابة والتابعين موفورا من غير هذه المسألة، والقول فيها بنفي أو إثبات.

ومن هذا القبيل ما روي أن الواثق أتى بشيخ بحضرة ابن دؤاد، فسئل: ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لابن أبي دؤاد لم تنصفني ولي السؤال. قيل: سل. قال: هل هذا شيء علمه رسول الله

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٧٨