227
واستمر الحال على ذلك في أيام الواثق، ثم ورد كتاب المتوكل مصر برفع المحنة والسكوت عن هذه المقالة جملة.
وكان ممن نكل به بمصر في أيام الواثق يوسف بن يحيي البويطي صاحب الإمام الشافعي ووارث علمه - وشى به حرملة والمزني وابن الشافعي، ولعلهم نفسوا عليه علمه. وقيل وشى به ابن أبي الليث الحنفي قاضي مصر، فكتب ابن أبي دؤاد إلى والي مصر أن يمتحنه، فأبى أن يقول بخلق القرآن، وقال: «إنما خلق الله الخلق بكن، فإذا كانت مخلوقة، فكأن مخلوقا خلق بمخلوق، ولئن أدخلت عليه (على الواثق) لأصدقته، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم. وقد حمل من مصر إلى بغداد ومات في سجنها سنة 231.
ولم يقتصر الأمر على محاكمة الولاة للناس؛ بل كانت مجالس الخاصة والعامة تلوك هذه المسألة. فإذا جلس عالم مجلسا سأله سائل: هل القرآن مخلوق؟ وإذا خلا الناس بعضهم إلى بعض تحدثوا في أخبار خلق القرآن؛ ومن حقد على آخر وأراد أن يدس عليه اتهمه بأنه يقول القرآن غير مخلوق.
وقد ورد من ذلك أن البخاري اتهم بأنه يقول إن اللفظ بالقرآن مخلوق، فلما كان بنيسابور وحضر الناس لسماعه قام إليه رجل فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن، أمخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه ولم يجبه، فأعاد السؤال فأعرض عنه، ثم أعاد فالتفت إليه البخاري وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة. فشغب الرجل وشغب الناس، وتفرقوا عنه.
228
وسبب شغبهم عليه أنه أراد أن يفرق بين القرآن وهو كلام الله، والقرآن الذي هو نطقنا به، وكتابتنا له، وأراد أن يقول إن الأول قديم والثاني محدث، فشغبوا عليه لأنه يقول إن الثاني محدث، إذ يريدون أن يقال إنه قديم حتى ألفاظنا به.
والأمثلة من هذا القبيل كثيرة، وأسئلة وإجابات، وفتن ودسائس، بل وأدخلوا المسألة في المزاح والأدب أيضا.
رووا أن رجلا من الظرفاء سمع آخر يقرأ قراءة قبيحة، فقال: «أظن هذا هو القرآن الذي يزعم ابن أبي دؤاد أنه مخلوق».
ودخل عبادة المخنث على الواثق وقال له: يا أمير المؤمنين، أعظم الله أجرك في القرآن. قال: ويلك، القرآن يموت؟ قال: يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت، بالله يا أمير المؤمنين من يصلي بالناس التراويح إذا مات القرآن؟ فضحك الخليفة وقال: قاتلك الله! أمسك.
وقال أبو العالية:
لو كان رأيك منسوبا إلى رشد
وكان عزمك عزما فيه توفيق
لكان في الفقه شغل لو قنعت به
عن أن تقول كلام الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدين يجمعكم
ما كان في الفرع لولا الجهل والموق
وكان بعض القصاص بأصبهان يتشدد في القول يخلق القرآن، فسئل معاوية: هل كان مخلوقا؟ فقال: نعوذ بالله من نهايات الجهالات ... إلخ. •••
وبعد، فما هذه المسألة وكيف وصلت إلى ما وصلت إليه؟ وكيف بلى بها المسلمون هذا البلاء؟ وما الداعي إليها؟ وما وجهة نظر كل فريق؟ وما نتائجها؟ هذه أسئلة تجول في ذهن الباحث لأن المسألة غريبة في بابها، وكانت أشبه بمحكمة التفتيش تمتحن فيها العقائد ويعذب عليها الناس.
أما الداعي لحزب الحكومة من معتزلة وخلفاء، ففي رأيي أن نيتهم حسنة وقصدهم حميد، فقد رأى المعتزلة من أول أمرهم - من عهد واصل وعمرو بن عبيد - أن عقائد الناس قد فسدت ويجب تصحيحها، وفي نظرهم أن التصحيح يجب أن يدور على توحيد الله وعدله، وجرهم القول في التوحيد إلى التوحيد بكل معانيه، ورأوا أن القول بقدم القرآن تعديل للقديم، كما أنكروا الصفات لأن فيها تعديدا، وأنكروا رؤية الله لأن فيها تجسيما، فأرادوا أن يدعوا الناس إلى تنزيه فلسفي وتوحيد فلسفي لا تجسيم فيه، ولا تشبيه، ولا تعدد، وكانوا يبثون دعاتهم في الأمصار والبلاد النائية لدعوة الناس إلى ذلك، فإذا أتيحت لهم فرصة في سلطة وقوة استعملوها؛ فمن رأوا منه انحرافا عن الدين، وميلا إلى الإلحاد، وإفسادا لعقيدة الناس، حاربوه وهددوه، وإن استطاعوا قتلا قتلوه، وبذلوا جهدا كبيرا في نشر مذهبهم، وعنونوه بمذهب التوحيد والعدل، وأرسلوا الدعاة لذلك في الهند وفي المغرب وفي مصر والشام وفي فارس، فلبى دعوتهم خلق كثير - ولكن في أدوارهم الأولى لم يظفروا بانضمام الحكومة إليهم - نعم ظفروا بالحكومة في آخر الدولة الأموية، ولكنها كانت صائرة إلى الزوال، وكانت في شغل عن الاعتزال بتوطيد مركزها الذي ينهار. فلما جاء المأمون في العصر العباسي مال إلى نفس الفكرة، ورأى أن يكون مجمعا يتباحث عنده في المذاهب، وينقد صحيحها من فاسدها، ويكون الجدل حرا والبحث صريحا، فما اتفق عليه الرأي ألزم الناس العمل به.