تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأمعن بعض الحاضرين في الحصن على قتله، فدعا بالسيف وقال: إني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها، ثم مشي إليه فضرب عنقه، وأمر به فحمل رأسه إلى بغداد، فنصب بالجانب الشرقي أياما والجانب الغربي أياما. ولما صلب كتب الواثق ورقة وعلقت في رأسه نصها: «هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون (وهو الواثق) إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره، ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة».

222

وظاهر أن بعض غضب الواثق سببه ثورة أحمد بن نصر، وخروجه عن الطاعة وحمل الناس على العصيان، وجاء خلق القرآن خاتمة الغضب، ومظهر الانتقام. ولم يتعرض الواثق لأحمد بن حنبل، ولكن روى بعضهم أن الواثق أمره ألا يساكنه بأرضه، فاختفى ابن حنبل حتى مات الواثق.

223

ثم مات الواثق سنة 232 وبويع للمتوكل فلم يتحمس، للقول بخلق القرآن، ففترت حركة الامتحان حتى سنة 234 «فنهي فيها عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الآفاق، وتوفر دعاء الخلق له، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له، حتى قال قائلهم، الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رده المظالم، والمتوكل في إحياء السنة»، مع ما كان عليه من الظلم والتعسف. وكما شغل الناس في العراق - مستقر الدولة - بالجدل في خلق القرآن شغل الناس في كل قطر من الأقطار الإسلامية، فكان الجدل بين العلماء وامتحان الأمراء للعلماء والقضاة والحكام في مصر والشام وفارس وغيرها من البلدان.

فيحدثنا أبو المحاسن في كتاب النجوم الزاهرة أن كتاب المأمون الأول الذي صدر لإسحاق بن إبراهيم - والي بغداد - في ربيع الأول سنة 218 وصل إلى مصر في جمادى الآخرة ونصه كنصه، وكان الوالي على مصر نصر بن عبد الله الملقب «كيدر»، فامتحن كيدر قاضي مصر هارون بن عبد الله الزهري، فأجاب بالقول بخلق القرآن؛ وامتحن الشهود، فمن توقف منهم عن القول بذلك سقطت شهادته،

224

وامتحن القضاة وأهل الحديث وغيرهم.

225

وقال كيدر يمتحن الناس حتى جاء الخبر بموت المأمون قبل أن يقبض على من طلبه المأمون؛ ثم ولي مصر المظفر بن كيدر، فأتاه كتاب المعتصم يأمره أن يمتحن العلماء بخلق القرآن بمصر ففعل ذلك. ثم ولي موسى بن العباس مصر سنة 219، فيذكر أبو المحاسن «أنه أباد فقهاء مصر وعلماءها إلى أن أجاب غالبهم بالقول بخلق القرآن».

226

وكان من أشد الناس تحمسا للقول بخلق القرآن، وتعذيب من أنكر من المصريين، محمد بن أبي الليث قاضي مصر في بعض أيام المعتصم وفي أيام الواثق، وكان يناصر المعتزلة، وكان حنفي المذهب، وكان يكره المالكية والشافعية، فاضطدهم واستغل المحنة بخلق القرآن لتعذيبهم والإيقاع بهم، وبجانبه شاعر مصر إذ ذاك الحسين بن عبد السلام الجمل يشيد بذكره ويتشفى ممن نكل به.

ويذكر في قصيدة من قصائده أنه نكل بالشافعية والمالكية، وما زال يعذبهم حتى اعترفوا بخلق القرآن، وصار الأمر كما قال:

كل ينادي بالقرآن وخلقه

فشهرتهم بمقالة لم تشهر

لم ترض أن نطقت بها أفواههم

حتى المساجد خلقه لم تنكر

لما أريتهم الردى متصورا

زعموا بأن الله غير مصور

فبعض الناس لزم بيته فلم يظهر، وبعضهم هرب إلى اليمن، وكان ممن هرب ذو النون المصري الصوفي، ثم عاد فقبض عليه وامتحن فأقر.

ولما ولى الواثق ورد كتابه على محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمعين، فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس وملئت السجون ممن أنكر المحنة؛ وأمر ابن أبي الليث أن يكتب على المساجد: (لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق)، فكتب ذلك على المساجد بفسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد، وأمرهم ألا يقربوه.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٧٦