أحد الحاضرين :
قال الله تعالى:
ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث
أفيكون محدث إلا مخلوق؟
ابن حنبل :
قال الله تعالى:
والقرآن ذي الذكر ، فالذكر هو القرآن وتلك ليس فيها ألف ولام.
آخر :
أليس قال الله خالق كل شيء؟
ابن حنبل :
قال تعالى:
تدمر كل شيء بأمر ربها
فهل دمرت إلا ما أراد الله؟
ثالث :
ما تقول في حديث عمران بن حصين: إن الله خلق الذكر؟
ابن حنبل :
هذا خطأ، إن الرواية
إن الله كتب الذكر .
رابع :
جاء في حديث ابن مسعود : «ما خلق الله من جنة ولا نار، ولا سماء ولا أرض، أعظم من آية الكرسي».
ابن حنبل :
إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن.
خامس :
إن القول بأن كلام الله غير مخلوق يؤدي إلى التشبيه.
ابن حنبل :
هو أحد صمد لا شبيه له ولا عدل، وهو كما وصف به نفسه.
المعتصم :
ويحك ما تقول؟
ابن حنبل :
يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله.
بعض الحاضرين :
يحاجه بحجج عقلية.
ابن حنبل :
ما أدري ما هذا؟ إنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله.
بعض الحاضرين :
يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا وثب، وإذا كلمناه بشيء يقول لا أدري ما هذا؟
ابن أبي دؤاد :
يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل مبتدع.
وهكذا ينفض المجلس، ويعاد إلى الحبس ويوكل به من يناظره، ويعاد إلى مجلس آخر على هذا النمط، واستمرت هذه المناظرات ثلاثة أيام.
فلما ملوا مناظرته ويئسوا منه، أمر المعتصم بضربه بالسياط، فضرب كما قال المسعودي «ثمانية وثلاثين سوطا» حتى سال منه الدم، وتعددت فيه الجراحات ثم أرسل إلى السجن، وأرسل إليه طبيب يعالج جراحاته، فعالجه حتى برئ.
220
ويروون أن ابن أبي دؤاد حرض المعتصم على قتله، وقال: «يا أمير المؤمنين إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله وإنه غلب خليفتين»، ولكن المعتصم اكتفى بضربه على نحو ما ذكرنا، ثم أمر به فخلي سبيله.
221
ولم يقتله المعتصم كما قتل غيره (مع أنهم يروون أنه حتى في اليوم الذي دعا المعتصم ابن حنبل لامتحانه كان قد قتل قبله رجلين)، وهذا يرجع لأسباب: منها أن جمهور الناس التفوا حول ابن حنبل أكثر من التفافهم حول أي شخص آخر، فإذا قتله المعتصم كانت فتنة. قال ميمون بن إصبع: «أخرج أحمد بعد أن اجتمع الناس وضجوا حتى خاف السلطان» ويروون أيضا أنه قال: «لو لم أفعل ذلك لوقع شر لا أقدر على دفعه»، ومنها: أن المعتصم أعجب بشجاعته وثباته على ما يعتقد أنه الحق، فلم يخف ولم يهن؛ وكان المعتصم شجاعا يحب الشجعان؛ هذا إلى أنه قرأ في وجهه أنه ليس بمنافق يريد التظاهر بالورع، بل قرأ فيه أنه يتكلم عن عقيدة، ويصرح بأن الله قديم وليس كمثله شيء، ولكن لا يقول بخلق القرآن لأن الله لم يقله، ورسوله لم يدع إليه.
ومات المعتصم سنة 227، أي بعد محنة أحمد بن حنبل بسبع سنوات، فلم يتعرض له؛ وخلفه الواثق، وكان مثقفا ثقافة واسعة أيضا، وكانت أمه رومية اسمها «قراطيس». قال الصولي: «كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله»، بل فضله بعضهم على المأمون من ناحية أنه كان أكثر رواية للشعر العربي من المأمون؛ فتعصب للقول بخلق القرآن عن علم وعقيدة.
وأظهر ما حدث في أيامه حادثة أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي، كان جده مالك بن الهيثم أحد نقباء بني العباس في أول الدولة العباسية، ولذلك يقولون إنه كان من أولاد الأمراء، وكان يرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أعني أنه كان يرى تنفيذ ذلك بيده، والخروج على الحكومة إن جارت، والثورة عليها فيما انحرفت فيه عن الصواب، وتبعه على ذلك أتباع كان يستعملهم في خطته؛ ولم يعجبه المأمون في سيرته، فثار هو وأتباعه ببغداد أيام كان المأمون بخراسان، فلم قدم المأمون بغداد استتر أحمد بن نصر؛ فلما ولي الواثق استمر في خطته، وعزم هو وأتباعه على الثورة، فوصل الخبر إلى والي بغداد إسحاق ابن إبراهيم، فقبض عليه وعليهم، وقدم إليه أحمد، فقال الواثق: دع ما أخذت له، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله، ليس بمخلوق، فحمله على أن يقول إنه مخلوق فأبى؛ وسأله عن رؤية الله يوم القيامة (والمعتزلة كما رأيت ينكرونها) فقال بها، وروى له الحديث في ذلك، فقال الواثق: ويحك هل يرى كما يرى المحدود المتجسم، ويحويه مكانه ويحصره الناظر، إنما كفرت برب هذه صفته.