وقد أسرع المأمون بإرسال هذا الكتاب غير منتظر اجتماع البريد، فجمعهم إسحاق ثانية، وكانوا نحوا من ثلاثين قاضيا ومحدثا وفقيها، فأعاد امتحانهم وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فأقروا جميعا بأن القرآن مخلوق إلا أربعة: أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح؛ فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدوا في الحديد، فلما أصبحوا أعاد امتحانهم ثالثة، فاعترف سجادة بخلق القرآن فأطلقه، وبعد يوم آخر أجاب القواريري بأن القرآن مخلوق فأخلى سبيله، ولم يبق بعد من هؤلاء إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فشدوا في الحديد ، ووجها إلى طرسوس للمأمون؛ وكتب إسحاق كتابا إلى المأمون يخبره بإشخاصهما، وكتب كتابا آخر يذكر فيه أن القوم الذين أجابوا لم يجيبوا عن عقيدة، وإنما أجابوا عن تأويل، وقد تأولوا أنهم مكرهون، وليس على المكره حرج.
فبعث المأمون كتابا خامسا يعلن أن هؤلاء أخطأوا التأويل، وليست الآية:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان
منطبقة عليهم، «إنما عني الله بهذه الآية من كان معتقد الإيمان مظهر الشرك، فأما من كان معتقد الشرك مظهر الإيمان فليست الآية له». ثم أمر بإشخاص - من أبى - إليه في طرسوس، فأرسل واحدا وعشرين كانوا امتنعوا عن الإقرار بخلق القرآن؛ فلما كانوا في الرقة بلغتهم وفاة المأمون، فأعادهم والي الرقة إلى والي بغداد فخلى هذا سبيل أكثرهم.
فأما محمد بن نوح فقد مات وهو عائد إلى بغداد بعد موت المأمون، ففك عند قيده وصلى عليه ابن حنبل. وتركزت رياسة المعارضة في أحمد بن حنبل، فكان زعيمها وعلمها ومتجه الأنظار فيها، ولذلك لم يخل سبيله كما خلي غيره؛ وبذلك انتهى المأمون وانتهى دوره في المحنة.
وقد كتب المأمون وصيته للمعتصم، وجاء فيها مما يتصل بموضوعنا: «وخذ بسيرة أخيك في القرآن»، كما أوصاه بابن أبي دؤاد وحرصه عليه وإشراكه في المشورة في أموره كلها.
كان المأمون عالما فكانت كتبه في خلق القرآن تصدر عن علمه، ولكن المعتصم كان رجلا جنديا كره العلم منذ صغره، فكان كما قال الصولي: «يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة»، وكانت ثقافته من جنس ثقافة الذين يجربون الحياة ويسمعون أحاديث الناس والعلماء، ولم نعد نرى مجالس المناظرة في قصره كالتي كانت في عهد المأمون. فقد نفذ الامتحان بخلق القرآن في عهده لأنه وكل بذلك من المأمون في العهد الذي صار به خليفة، فكان يرى أنه ملزم بذلك؛ لهذا استمر على طريقة المأمون ولكن لم يصدر منشورات جديدة فيها معان وحجج جديدة - فكتب إلى الأمصار بالاستمرار في امتحان الناس بخلق القرآن، «وأمر أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين و(مائتين)».
وأصر أحمد بن حنبل على امتناعه عن القول بخلق القرآن، وأصرت دولة المعتصم على حمله على ذلك، واتجهت أنظار الجمهور يعجبون بصلابة أحمد، واتجهت أنظار رجال الدولة لأنه يتحداهم. وظل محبوسا من آخر عهد المأمون. وكان يتسلل إليه قوم، منهم عمه إسحاق بن حنبل، يطلبون إليه أن يقول بخلق القرآن تقية كما قال غيره من العلماء، فيقول: «إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق»، فذكر له ما روي في التقية من الأحاديث، فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: «إن من كان قبلكم ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه»، فيئسوا منه.
219
ثم دعاه المعتصم فأدخل والمعتصم جالس، وابن أبي دؤاد وأصحابه في حضرته والدار غاصة بأهلها، وبالقضاة والفقهاء من أتباع الدولة، فأمرهم أن يناظروه؛ وهذه خلاصة المناظرة:
المعتصم :
ما تقول؟
ابن حنبل :
أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن جدك ابن عباس يحكي أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإيمان بالله. فقال: أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم (يعني أحمد بن حنبل أن ليس منه القول بخلق القرآن). يا أمير المؤمنين: أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله أقول به.