تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وليس في هذا الكتاب الثالث جديد إلا التوسع في الحجة والبرهان، والأمر بالتوسع في امتحان الناس، وتقرير أن من لا يقول بخلق القرآن لا يصلح لتولي عمل ما؛ ولذلك رأينا إسحاق بن إبراهيم بعد هذا الكتاب يجمع كثيرا من الفقهاء والحكام والمحدثين ويمتحنهم، فالفقهاء يتولون الفتيا، والحكام يتولون الحكم، والمحدثون يتولون التعليم، وكلها أمور لا يريد المأمون أن يتولاها إلا من قال بخلق القرآن.

أحضر إسحاق بن إبراهيم مشاهير العلماء ورءوس الناس وامتحنهم. ولنقص عليك نماذج من الأسئلة والأجوبة كما وردت في كتب التاريخ:

إسحق بن إبراهيم :

ما تقول في القرآن؟

بشر بن الوليد :

القرآن كلام الله.

إسحق :

لم أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟

بشر :

الله خالق كل شيء.

إسحق :

هل القرآن شيء؟

بشر :

هو شيء.

إسحق :

فمخلوق هو؟

بشر :

ليس بخالق.

إسحق :

لا أسألك عن هذا، أمخلوق هو؟

بشر :

ما أحسن غير ما قلت لك.

امتحان آخر

إسحق :

هل القرآن مخلوق؟

علي بن أبي مقاتل :

القرآن كلام الله.

إسحق :

لم أسألك عن هذا، هل هو مخلوق؟

علي :

هو كلام الله، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا.

امتحان ثالث

إسحق :

هل القرآن مخلوق؟

أبو حسان الزيادي :

القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، وما دون الله مخلوق، وأمير المؤمنين إمامنا، وقد سمع ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، وإن أمرنا ائتمرنا، وإن نهانا انتهينا، وإن دعانا أجبنا.

إسحق :

هل القرآن مخلوق؟

أبو حسان :

يعيد عليه مقالته.

إسحق :

هذه مقالة أمير المؤمنين.

أبو حسان :

قد تكون مقالة أمير المؤمنين، ولا يأمر بها الناس ولا يدعوهم إليها، وإن أخبرتنى أن أمير المؤمنين أمرك أن أقول: قلت ما أمرتني، فإنك الثقة المأمون.

إسحق :

ما أمرني أن أبلغك شيئا، وإنما أمرني أن أمتحنك.

امتحان رابع

إسحق :

ما تقول في القرآن؟

أحمد بن حنبل :

هو كلام الله.

إسحق :

أمخلوق هو؟

أحمد :

هو كلام الله لا أزيد عليها.

إسحق :

ما معنى أنه تعالى سميع بصير؟

أحمد :

هو كما وصف نفسه.

إسحق :

فما معناه؟

أحمد :

لا أدري، هو كما وصف نفسه.

امتحان خامس

إسحق :

ما تقول في القرآن؟

ابن البكاء :

القرآن مجعول لقول الله تعالى:

إنا جعلناه قرآنا عربيا

والقرآن محدث لقوله:

ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث .

إسحق :

فالمجعول مخلوق؟

ابن البكاء :

لا أقول مخلوق ولكن مجعول.

إسحق :

فالقرآن مخلوق؟

ابن البكاء :

لا أقول مخلوق ولكن مجعول.

وهكذا كانت إجابات القوم.

حرر إسحق بن إبراهيم محضرا بجميع أقوال الممتحنين وأرسلها إلى المأمون فثارت ثائرته، وجن جنونه؛ وفي تاسع يوم من إجاباتهم جاء كتاب المأمون وهو الكتاب الرابع في هذا الموضوع، وكله عنف وتقريع؛ فقد رأى المأمون أن أجوبتهم لا تدل على عقل، لا تنكر في صراحة، ولا تقر في صراحة؛ وبعضهم يسلم بالمقدمات وينكر النتيجة، فيقول القرآن مجعول، والمجعول مخلوق، ولا يرضى أن يقول القرآن مخلوق؛ كمن يقول إن هذه الكمية 3 وهذه 4 ولا يريدون أن يقول إن المجموع سبعة. واعتقد أن عقلية هؤلاء عقلية عوام، يريدون أن يتظاهروا بالبطولة أمامهم، وهم على خلاف ذلك أمام أنفسهم، ولو كانوا ذكروا له حججا على نظريتهم أو امتناعهم لجادلهم فيها، ولكنهم كانوا كما رأيت لا يريدون أن يقروا ، ولا يريدون أن ينكروا. ولعل هذا ما أغضب المأمون في كتابه الرابع أشد الغضب، فأمره أن يستدعي بشر بن الوليد، فإن أصر على شركه، ولم يقل إن القرآن مخلوق فاضرب عنقه وابعث برأسه إلي، وإن تاب فأشهر أمره بالتوبة وأمسك عنه، وكذلك أمره في إبراهيم بن المهدي؛ وأما غير هذين فلم يأمر بضرب عنقهم، ولكنه عرض بهم، وذكر أفعالهم ومخازيهم ليبين أن امتناعهم ليس عن دين، ولكن عن تصنع؛ «فالذيال بن الهيثم» يقول المأمون إنه كان يسرق الطعام في الأنبار. و«أبو العوام» صبي في عقله لا في سنه، ويقول: إنه سيحسن الجواب في القرآن إذا أخذه التأديب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك. و«أحمد بن حنبل» إجابته تدل على جهله، و«الفضل بن غانم» اغتنى في مصر من منصبه في أقل من سنة، ومحمد ابن حاتم وابن نوح وأبو معمر فإنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على حقيقة التوحيد. وهكذا استمر يعدد لكل رجل امتحنه عيوبه؛ ثم أمر المأمون إسحاق في كتابه هذا أن يعيد الكرة عليهم، فمن أبى غير بشر بن الوليد وإبراهيم بن المهدي «فاحملهم أجمعين موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين مع من يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم حتى يؤديها إلى عسكر أمير المؤمنين ويسلمهم إلى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصحهم أمير المؤمنين، فإن لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعا على السيف إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٧٣