تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا علمنا أن المأمون توفي في 18 رجب سنة 218، علمنا أن هذا الكتاب صدر قبل موته بنحو أربعة أشهر، وأرسلت منه صور للأقطار الإسلامية لمصر والشام والكوفة وغيرها، وأمر الولاة أن يفعلوا بقضاتهم كما فعل والي بغداد بقضاتها.

ثم كتب المأمون بعد ذلك إلى إسحق بن إبراهيم أيضا أن يرسل إليه سبعة من كبار المحدثين، وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي،

211

وأبو مسلم مستملي يزيد ابن هارون،

212

ويحيي بن معين،

213

وزهير بن حرب أبو خيثمة

214

وإسماعيل ابن داوود وإسماعيل بن أبي مسعود

215

وأحمد بن الدورقي.

216

ويظهر أن هؤلاء كانوا من وجوه المحدثين في بغداد، وممن شنعوا على المأمون بالقول بخلق القرآن، ومن رءوس الذين يقولون بقدمه. ولعل المأمون رأى أنهم إن حضروا أمام الخليفة نفسه كان ذلك أرهب لهم، وحملتهم الهيبة والرهبة على متابعة الخليفة فيما يقول، فينقاد الناس لهم، ويتبعون قولهم فتنقطع الفتنة؛ وقد صدق في حدسه في الشطر الأول، ولم يصدق في الثاني، فأجاب هؤلاء ولم تنقطع الفتنة.

فإنهم لما حضروا امتحنهم المأمون وسألهم جميعا عن خلق القرآن، فأجابوا جميعا إن القرآن مخلوق، فأعادهم إلى بغداد، وأمر إسحاق بن إبراهيم أن يجمع الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث في داره، وأن يقول أمامهم هؤلاء السبعة بمثل ما قالوا به أمام المأمون، ففعلوا وخلى سبيلهم.

217

ولم نجد اسم أحمد بن حنبل بين هؤلاء السبعة؛ إما لأنه لم يكن معروفا إذ ذاك بشدة المعارضة، وأن شهرته في هذا أتت بعد هذا التاريخ؛ أو كما روى بعضهم من أن اسمه كان بين هؤلاء، ولكن ابن أبي دؤاد نصح باستبعاده لأنه يعرف صلابته، فلم يكن من مصلحة القضية أن يكون بينهم. وقد روي أن ابن حنبل حزن لهذا الحادث جدا، وقال: «لو كانوا صبروا وقاموا لله لكان انقطع الأمر، وحذرهم الرجل (يعني المأمون)، ولكن لما أجابوا - وهم عين البلد - اجترأ على غيرهم»، وكان ابن حنبل إذا ذكرهم يغتم ويقول: «هم أول من ثلموا هذه الثلمة».

218

وهذه الحادثة - من غير شك - قوت جانب الحكومة، وفتت في عضد المحدثين والعامة وأحزنتهم، وهيأتهم لأن يرتقبوا البطل الذي يرد على هذا الحادث.

وفي هذه الخطوة الثانية لم يكتف المأمون بأن يحرم من ليس على مذهبه من مناصب الدولة؛ بل أراد أن يحمل الفقهاء والمحدثين على الإقرار بخلق القرآن ولو لم يرد أن يتولى عملا، أو يؤدي شهادة، فكأنه اعتقد أنه - وهو خليفة المسلمين وراعيهم - مسئول عن رعيته؛ ومن هذا أنه مسئول عن توحيدهم، والقول بقدم القرآن شبه إشراك، فيجب أن يرد الناس عن ذلك كما يرد الكافر عن كفره. والخطوة الثالثة أن يقتله كما يقتل المرتد؛ وإذ كان العلماء هم قادة الناس في هذه العقائد، فيجب أن يبدأ بهم وبتصحيح عقيدتهم وبعقابهم إن أصروا، بل بقتلهم أحيانا.

ثم أصدر المأمون بعد ذلك

كتابا ثالثا

لإسحاق بن إبراهيم، بدأه كما بدأ الكتاب الأول بشيء من التفصيل، وأن من الواجب على الخليفة أن يهدي من زاغ ويرد من أدبر، وأن ينهج لرعاياه سمت نجاتهم. ثم قال: «ومما تبينه أمير المؤمنين برويته، وطالعه بفكره، فتبين عظيم خطره وجليل ما يرجع في الدين من وكفه وضرره، ما يناله المسلمون من القول في القرآن الذي جعله الله إماما لهم وأثرا من رسول الله

صلى الله عليه وسلم

باقيا لهم، واشتباهه على كثير منهم حتى حسن عندهم

وتزين في عقولهم ألا يكون

مخلوقا ...

فضاهوا به قول النصارى في ادعائهم

في عيسى بن مريم أنه ليس بمخلوق إذ كان كلمة الله، والله عز وجل يقول:

إنا جعلناه قرآنا عربيا ، وتأويل ذلك إنا خلقناه، كما قال جل جلاله:

وجعل منها زوجها ليسكن إليها ؛ وقال:

وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا ،

وجعلنا من الماء كل شيء حي ، فسوى عز وجل بين القرآن وبين هذه الخلائق التي ذكرها إلخ ... وقد عظم هؤلاء الجهلة - بقولهم في القرآن - الثلم في دينهم والجرح في أمانتهم، وسهلوا السبيل لعدو الإسلام ... ووصفوا خلق الله وفعله بالصفة التي هي لله وحده، وشبهوه به ... وليس يرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة حظا في الدين، ولا نصيبا من الإيمان واليقين. ولا يرى أن يحل أحدا منهم محل الثقة في أمانة ولا عدالة ولا شهادة ولا صدق في قول ولا حكاية، ولا تولية لشيء من أمر الرعية، وإن ظهر قصد بعضهم وعرف بالسداد مسدد فيهم، فإن الفروع مردودة إلى أصولها، ومحمولة في الحمد والذم عليها، ومن كان جاهلا بأمر دينه الذي أمره الله به من وحدانيته، فهو بما سواه أعظم جهلا ... فاقرأ على جعفر بن عيسى وعبد الرحمن بن إسحق القاضي كتاب أمير المؤمنين بما كتب به إليك، وانصصهما عن علمهما في القرآن؛ وأعلمهما أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من أمور المسلمين إلا بمن وثق بإخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد لمن لم يقر بأن القرآن مخلوق، فإن قالا بقول أمير المؤمنين في ذلك فتقدم إليهما في امتحان من يحضر مجالسهما بالشهادات على الحقول ... فمن لم يقل منهم إنه مخلوق أبطلا شهادته، وإن ثبت عفافه بالقصد والسداد في أمره، وافعل ذلك بمن في سائر عملك من القضاة، وأشرف عليهم إشرافا يزيد الله به ذا البصيرة في بصيرته، ويمنع المرتاب من إغفال دينه، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك إن شاء الله».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٧٢