تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستنتج من ذلك أن الجعد كان في دمشق، ولكنه بذر بذرته في العراق لما هرب إليه وقتل به.

وقال بذلك أيضا جهم بن صفوان الترمذي الذي قتله سالم بن أحوز بمرو سنة 128؛ فقد كان ينفي الصفات، واستتبع ذلك نفي الكلام، والقول بخلق القرآن.

ثم يحدثوننا أن بشرا المريسي (ويروي بعضهم أنه من أصل يهودي) كان يقول بخلق القرآن في أيام الرشيد، وظل يدعو إلى ذلك نحوا من أربعين سنة، ويؤلف في ذلك الكتب، وقد مات سنة 218.

209

وقد رووا أن الرشيد قال يوما: بلغني أن بشرا يقول القرآن مخلوق؛ والله إن أظفرني الله به لأقتلنه. فأقام بشر متواريا أيام الرشيد.

وورثت المعتزلة هذا القول عن الجعد والجهم، فكانوا يقولون بذلك؛ وزادوا المسألة تفصيلا، ووسعوا فيها الجدل. وقد رأينا «المردار» المعتزلي يتوسع في هذا القول، ويكفر من يقول بقدم القرآن.

ويختلف الباحثون في أن المسلمين تأثروا - في قولهم بخلق القرآن - باليهودية كما يروي ابن الأثير؛ أو بالنصرانية، تقليدا لقولهم في عيسى: إنه كلمة الله، وكلمة الله لا يصح أن تكون مخلوقة، فقلد المسلمون ذلك بقولهم مثل هذا القول في كلام الله.

ولعله مما يؤيد القول الأخير قول المأمون في كتابه الآتي: «فضاهوا به قول النصارى في ادعائهم في عيسى بن مريم أنه ليس بمخلوق، إذ كان كلمة الله».

فيظهر من ذلك أن مسألة خلق القرآن خلقت في آخر الدولة الأموية، وظلت تنمو ويدور حولها الجدل، وتتسع فيها المناظرة، وتؤلف فيها الكتب إلى عهد المأمون. ولكن أحدا من قبل لم يفكر في أن تتخذ هذه المسألة الدين الرسمي للدولة حتى جاء المأمون.

كان المأمون مثقفا ثقافة واسعة عميقة، وشغف من أجل ذلك بالبحث العلمي والأدبي، واتخذ له رجالا يجتمعون في قصره، فيتجادلون ويتناظرون في شتى المسائل: مرة أدبا، ومرة فقها، وحينا تاريخا، وحينا كلاما. وكان عقله عقلا فلسفيا، حرا في تفكيره مع التقييد بأصول الدين. وكان ما يدور في مجالسه من الجدل والمناظرة يتناقل على ألسنة الناس فيتجادلون فيه هم كذلك؛ ويكون جدالهم صدى لجدال القصر.

وإذ كان المأمون على ما ذكرنا من حرية التفكير، كان الاعتزال أقرب المذاهب إلى نفسه، لأنه أكثر حرية وأكثر اعتمادا على العقل؛ فقرب المعتزلة منه، وأصبحوا ذوي نفوذ في القصر، وكان من أظهرهم ثمامة بن الأشرس وأحمد بن أبي دؤاد.

ولكن مع ميل المأمون إلى الاعتزال كان بجانب ذلك مسألة أخرى، وهي هل يظل الاعتزال مذهبا كغيره من المذاهب كالإرجاء ونحوه، كل إنسان حر أن يعتنق منها ما يراه صوابا، ولا دخل للدولة في ذلك، لأن المسألة ليست مسألة كفر وإيمان، إنما هي آراء داخل حدود الإسلام، فلا سبيل إلى الإقناع فيها إلا الحجة والبرهان، أو أن الدولة تتخذ شعارها الاعتزال وتحمل الناس عليه، ويكون المذهب مذهبها الرسمي، كما أن الإسلام دينها الرسمي؟

يظهر أنه كان هناك تياران في هذا، فقد كان هناك فرقة ترى أن الدولة لا شأن لها بذلك، والناس أحرار في اعتقاد ما يرون، والخليفة لا ينبغي أن يدخل في نصرة مذهب على مذهب، وعلى رأس هذا الرأي يحيى بن أكثم قاضي المأمون، ويزيد بن هارون الواسطي؛ فيحيى بن أكثم يقول للمأمون عندما هم بلعن معاوية: «والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصلح في السياسة، وأحرى في التدبير»، وقد تقدم قوله هذا؛ ويزيد بن هارون يحكي عنه يحيى بن أكثم أن المأمون قال: «لولا مكان يزيد بن هارون لأظهرت القول بخلق القرآن. فقال له بعض جلسائه: ومن يزيد بن هارون حتى يتقيه أمير المؤمنين؟ فقال: إني أخاف إن أظهرته يرد علي فيختلف الناس وتكون فتنة، وأنا أكره الفتنة».

وهناك حزب آخر يحسن للخليفة رأي حمل الناس على ما ثبتت عندهم صحته، وكان من أظهر هؤلاء ثمامة وابن أبي دؤاد.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٦٩