تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشاء القدر أن يضعف الحزب الأول؟ فقد مات يزيد بن هارون سنة 206، وعزل يحيى بن أكثم عن منصب قاضي القضاة سنة 217، وتولى مكانه ابن أبي دؤاد، فرجحت كفة المؤيدين، وحمل المأمون الناس على القول بخلق القران سنة 218.

لم يكن المأمون إمعة يوجه فيتوجه، ولكنه مع قوة شخصيته يتأثر برأي من حوله، وكان على استعداد لذلك؛ فمن قبل أدخل المسائل الدينية في شئون الدولة فأعلن تفضيل علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر، وأغضب بذلك كثيرا من الناس؛ ونادى من قبل بتحليل نكاح المتعة وهو في طريقه إلى الشام لما صح عنده من حديث حل المتعة، فمازال يحيى بن أكثم يروي له الأحاديث في حرمتها عن الزهري، ويقيم له البراهين على حرمتها حتى اقتنع، فأمر بأن ينادى بتحريمها بعد أن كان أمر به.

210

فهو - من قديم - يميل إلى حمل الناس على ما يعتقد أنه الحق في مسائل الدين، ونصره في ذلك وشجعه المعتزلة، لأنهم بالغوا في أصولهم بالقول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما رأيت قبل؛ وكان كثير منهم يرون أن المؤمنين هم من اعتنقوا أصول الاعتزال، وغيرهم ليس بمؤمن، فحمل الناس على مذهبهم يساوي أو يقرب من دعوة الكفار إلى الإسلام، فإذا نجحوا في حمل الخليفة على أن نسخر الدولة في تعميم رأي المعتزلة، فقد خدموا الإسلام ونشروا العقيدة الصحيحة. وقديما حارب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد الزنادقة والمستهترين، وحملا بشارا على الهرب لفسقه. وقد كانت مسألة خلق القرآن هي المسألة التي تركز فيها الاعتزال في زمن المأمون لكثرة القول والجدل فيها، ولأنها تبتني على أكبر أصل من أصولهم، وهو التوحيد وعدم تعدد صفات الله، فساعدوا المأمون في ميله، وكان حامل لوائهم هو أحمد بن أبي دؤاد، وظلت هذه المسألة مسألة الدولة والناس من سنة 218 إلى سنة 234.

وسميت في التاريخ بالمحنة، وهي في الأصل الخبرة: محنته وامتحنته: خبرته واختبرته، وامتحنت الذهب والفضة إذا أذبتهما لتخبرهما، والاسم المحنة، واستعمل فيما لقيه الأنبياء من العذاب فصبروا على دعوتهم، كما استعمل فيما لقيه الشيعة من العذاب وصبرهم على بلائهم؛ ثم اشتهر استعماله في اختبار العلماء بالقول بخلق القرآن وما لقوه في ذلك من عذاب.

وقد ذكروا أن المأمون نضجت عنده هذه الفكرة واعتنقها من قديم، فإن صحت الرواية عن المأمون أنه كان يتقي بزيد بن هارون في إذاعة هذا القول، وكان يزيد قد مات سنة 206، دلنا ذلك على أن المأمون كان يفكر في حمل الناس على القول بخلق القرآن قبل هذه السنة؛ ويروي الطبري أنه في سنة 212 أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وذلك في شهر ربيع الأول - ثم في سنة 218 امتحن الناس بذلك. فجمعا بين هذه الأقوال يمكن أن نقول إن المأمون كان يتكلم في خلق القرآن في مجالسه الخاصة إلى سنة 212، ثم أعلن رأيه للناس في تلك السنة من غير أن يضطرهم إلى القول به، وظل على هذا الحال ست سنين، ثم كانت الخطوة الأخيرة سنة 218 تحمل الناس على ذلك.

بدأ المأمون في سنة 218 بإرسال كتاب إلى والي بغداد إسحق بن إبراهيم بن مصعب، وهو كتاب مطول حفظ لنا نصه، رواه الطبري في تاريخه وطيفور في تاريخ بغداد.

بدأه بالسبب الذي ألجأه إلى حمل الناس على ذلك، وهو أن خليفة المسلمين واجب عليه حفظ الدين وإقامته، والعمل بالحق في الرعية، «وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفلة العامة - ممن لا نظر له ولا روية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه، في جميع الأقطار والآفاق - أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه، وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم، ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكر والتذكر، وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين ... على أنه (أي القرآن) قديم أزلي لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه. وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة:

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٧٠