هؤلاء الذين ذكرناهم أعلام المعتزلة في البصرة وبغداد، وكان لكل مدرسة من المدرستين ألوان خاصة: (1)
من ذلك أن الاعتزال في البصرة كان مذهبا نظريا، والاعتزال في بغداد كان عمليا متأثرا بالدولة، قريبا من السلطان. (2)
وأن تأثر الاعتزال بالفلسفة اليونانية كان أظهر في مدرسة بغداد منه في مدرسة البصرة، لقوة حركة الترجمة في بغداد، ولأن بلاط الخلفاء كان ملتقى رؤساء المسلمين رؤساء المفكرين من أهل الديانات الأخرى؛ فنرى ثمامة بن الأشرس يقرر أن العالم نشأ عن طبيعة الله، أو بعبارة أخرى أن العالم برز من الله، لأن طبيعة الله من شأنها - طبعا - الإيجاد، ولا يمكن ذلك أن يتخلف، وهذا يؤدي حتما إلى القول بقدم العالم، لأن طبيعة الله لا تتغير؛ وهذا متأثر بآراء أرسطو في قدم العالم وطبيعته، وأنه قانون. وقد أشار إلى هذه الصلة بين هؤلاء المعتزلة وفلاسفة اليونان - الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل»، في أكثر من موضع. (3)
أخذ البغداديون كثيرا من المسائل التي عرض لها البصريون، فوسعوا مدى بحثها، واستفادوا مما نشر من آراء الفلاسفة فيها؛ كمسألة تحيد «الشيء» ومسألة الجوهر والعرض. ولنشرح هاتين المسألتين بعض الشرح: فقد أثار المعتزلة مسألة «هل المعدوم شيء»؛ وبعبارة أخرى: هل «الشيء» يرادف الموجود؟ وكان النظر في أول الأمر تفسيرا لغويا؛ فقد كان سيبويه يقول: «إن الشيء ما يصح أن يعلم ويخبر عنه»، وبناء على ذلك يكون المعدوم شيئا، لأنه يصح أن يعلم أنه معدوم، ويصح أن يخبر عنه؛ وكان غيره يرى أنه مرادف للموجود، فلا يصح أن يطلق على المعدوم أنه شيء. ولكن بعد ذلك نرى أن المسألة تطورت وبحث فيها على هذا النحو: هل المعدوم جوهر ووجوده عبارة عن اتصافه بالأوصاف وقيام الأعراض به أو ليس بجوهر؟ إلى غير ذلك من التفصيلات الواردة في كتب الكلام.
كذلك كان من أظهر المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين الكلام في الجوهر والعرض ، وتابعوا اليونانيين في القول بأن الجوهر ما قام بنفسه، والعرض ما قام بالجوهر ولا يقوم بنفسه، وأطالوا في الفرق بين الجوهر والجسم والعرض، وبحثوا في النفس هل هي جوهر؛ وما الجوهر الفرد، وهل له شكل، وما علاقة الأعراض بالجواهر، وهل الطعوم والألوان والروائح أجسام أو أعراض؟ وقد أطالوا في هذه البحوث، وتعمقوا فيها تعمقا مدهشا، وملئت بها كتب الكلام، وقام خلاف شديد بين البصريين والبغداديين فيها، وقد بقي لنا من ذلك كتاب لأبي رشيد سعيد النيسابوري في آراء البصريين والبغداديين في مسائل الجوهر، وحجج كل فريق مما يطول شرحه.
206
ولعل أهم مسألة وسعها معتزلة بغداد مسألة خلق القرآن.
وإذا كانت هذه المسألة أهم مظهر من مظاهر الاعتزال في هذه الفترة، وكانت الشغل الشاغل للأذهان، والعمل الذي أقام الدولة وأقعدها؛ صح لنا أن نفردها بشيء من التفصيل. (4) مسألة خلق القرآن
لهذه المسألة ناحيتان: ناحية نظرية وقد عرضنا لها من قبل في هذا الجزء
207
وتتضمن الكلام في تحديد موضع النزاع، ورأى كل فريق وحججه؛ والناحية الثانية تاريخ المسألة سياسيا، وتدخل الحكومة في شأنها، وتنفيذها بقوة الدولة، وما جري في ذلك من أحداث، وهذا ما نتعرض له الآن.
قد ذكروا أن القول بخلق القرآن ظهر في آخر الدولة الأموية على لسان «الجعد بن درهم» معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية. قال في سرح العيون: «وهو أول من تكلم بخلق القرآن من أمة محمد، بدمشق؛ ثم طلب فهرب، ثم نزل الكوفة فتعلم منه الجهم بن صفوان القول الذي نسب إليه الجهمية. وقيل إن الجعد أخذ ذلك من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أعصم اليهودى».
208
وقد قتله خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بالكوفة وكان واليا عليها، وقال: إني أريد اليوم أن أضحي بالجعد؛ فإنه يقول: ما كلم الله موسى تكليما، ولا اتخذ الله إبراهيم خليلا. ولعل الجعد كان مظلوما في هذا، وأنهم استنتجوا من قوله - إن القرآن مخلوق - هذا الاستنتاج البعيد.