204
فمدحه أبو تمام في ديوانه بقصائد كثيرة؛ فمن قوله فيه:
إليك تناهى المجد من كل وجهة
يصير فما يعدوك حيث يصير
وبدر إياد أنت لا ينكرونه
كذاك إياد للأنام بدور
تجنبت أن تدعى الأمير تواضعا
وأنت لمن يدعى الأمير أمير
فما من ندى إلا إليك محله
ولا رفعة إلا إليك تشير
ويقول:
أيسلبني ثراء المال ربى
وأطلب ذاك من كف جماد
زعمت إذا بأن الجود أمسى
له رب سوى ابن أبي دؤاد
ومدحه مروان الأصغر بن أبي الجنوب وغيره. وقد وقف ببابه أبو تمام وجماعة من الشعراء، وقد طالت أيامهم في الوقوف على بابه، فلما دخلوا قال لأبي تمام: أحسبك عاتبا؟ فقال أبو تمام: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا فكيف يعتب عليه؟
واتصل به الجاحظ بعد أن كان منحرفا عنه، لأن الجاحظ كان من أتباع محمد بن عبد الملك الزيات، وكان محمد من أعداء أحمد بن أبي دؤاد، فلما أوقع بابن الزيات خاف الجاحظ من ابن أبي دؤاد، وتوقع أن يوقع به، ولكنه عفا عنه وأطلقه، فاتصل بعد ذلك الجاحظ بابن أبي دؤاد، وأهدي إليه كتابه «البيان والتبيين»، وأعطاه ابن أبي دؤاد خمسة آلاف دينار، ومدحه الجاحظ بقوله:
وعويص من الأمور بهيم
غامض الشخص مظلم مستور
قد تسنمت ما توعر منه
بلسان يزينه التحبير
مثل وشى البرد هلهله النسج
وعند الحجاج در نثير
حسن الصوت والمقاطع إما
أنصت القوم والحديث يدور
ثم من بعد لحظة تورث اليسر
وعرض مهذب موفور
205
وفتن به المعتصم حتى ما كاد يرد له طلبا، وكان يقول فيه: «هذا والله الذي يتزين بمثله، ويبتهج بقربه؛ ويعد به ألوف من جنسه» وقال له الواثق: «قد اختلت بيوت الأموال بطلبائك اللائذين بك، والمتوسلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بحلو المدح فيك». فقال الواثق: يا أبا عبد الله! لا منعناك ما يزيد في عشقك، ويقوي من همتك، فتناولنا بما أحببت.
وهكذا كان ينال من الخلفاء كثيرا، وينفق على الناس كثيرا، ويستحث الخلفاء في عمل الخير للناس وإعطائهم، وتخفيف ويلاتهم؛ لقد وقع حريق بالكرخ فمازال بالمعتصم حتى عوضهم في حريقهم؛ ومرض ابن أبي دؤاد فعاده المعتصم في داره، ونذر المعتصم إن شفاه الله أن يتصدق بعشرة آلاف دينار، فقال ابن أبي دؤاد: فاجعلها لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا؛ فقال المعتصم: نويت أن أتصدق بها ههنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها. «وقيل للمعتصم: كيف تعوده وأنت لا تعود إخوتك وأجلاء أهلك؟ فقال: وكيف لا أعود رجلا ما وقعت عيني عليه قط إلا ساق إلي أجرا، أو أوجب لي شكرا، أو أفادني فائدة تنفعني في ديني ودنياي، وما سألني حاجة لنفسه قط».
هذا النفوذ الكبير، والجاه العريض في قصور الخلفاء، وفي أوساط العلماء والأدباء، وعلى قضاة الأمصار (إذ كان قاضي القضاة) قد أخطأ فاستعمله في حمل الناس على الاعتزال، وإكراههم على القول بخلق القرآن، فهو أكبر سبب في هذه المحنة، فاستوجب سخط كثير من الناس وضاع مجده وعلو شأنه في كثير من الأوساط، حتى قال محمد بن يحيى الصولي: «لولا ما وضع به نفسه من محبة المحنة لاجتمعت الألسن عليه؛ ولم يضف إلى كرمه كرم أحد»؛ فقد كان موصوفا بالجود والسخاء، حسن الخلق، وافر الأدب، واسع العلم، ولكنه حمل الخلفاء الثلاثة: المأمون، والمعتصم، والواثق، على أن يمتحنوا الناس بالقول بخلق القرآن، فكانت المحنة، وكانت الكارثة، حتى على مذهب الاعتزال نفسه. لقد رأينا قبل أن ثمامة بن الأشرس حاول بعض هذه المحاولات في جعل الاعتزال مذهبا رسميا للدولة، ولكن لم يكن له من الجاه والنفوذ، وحسن مداخلة الخلفاء وسحر التأثير فيهم ما كان لابن أبي دؤاد، فنجح ابن أبي دؤاد حيث فشل ثمامة، أو قل أتم أحمد ما بدأ به ثمامة. •••