ورووا أن المأمون سأل يحيى بن أكثم عن العشق ما هو: فقال يحيى: إنه «سوانح للمرء تؤثرها النفس، ويهيم بها القلب»، فقال له ثمامة: إنما شأنك أن تفتي في مسألة طلاق أو محرم، فقال المأمون: قل يا ثمامة، فقال «العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مالك، ومالك قاهر؛ مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة؛ ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطي عنان طاعتها، وقياد ملكها، وقوى تصرفها، توارى عن الأنصار مدخله، وغمض في القلوب مسلكه» فقال له المأمون: أحسنت.
قال رجل لثمامة: إن لي إليك حاجة. قال ثمامة: ولي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قال: لا أذكرها حتى تضمن قضاءها. قال: قد فعلت. قال ثمامة: حاجتي ألا تسألني هذه الحاجة. قال: رجعت عما أعطيتك. قال ثمامة: لكني لا أرد ما أخذت» إلخ.. إلخ.
فهو مناظر قوي، وأديب بارع، وفكه جيد الفكاهة؛ وهو معتزلي ينشر الاعتزال بمناظراته وبقربه من المأمون، ونفوذه في القصر. وقد حكى لنا الشهرستاني أنه كان له فرقة تنتسب إليه وترى رأيه، اسمها «الثمامية»، وقد وسع نظرية التولد التي أشرنا إليها قبل، وقال إن المعارف متولدة من النظر، وهي فعل لا فاعل له كسائر المتولدات، كما توسع في نظرية التحسين والتقبيح العقليين. وقال: «إن العالم فعل الله بطباعه ولعله أراد بذلك ما أراده الفلاسفة من الإيجاد بالذات دون الإيجاد على مقتضى الإرادة».
200
وهذا القول قد حكاه عن ثمامة الشهرستاني، ولكن صاحب الانتصار نفاه عنه وقال إنه من كذب ابن الراوندي عليه، وقال: «إن المطبوع على أفعاله عند أصحاب فعل الطباع هو الذي لا يكون معه إلا جنس واحد من الأفعال كالنار التي لا يكون منها إلا التسخين، والثلج الذي لا يكون منه إلا التبريد، وأما من تكون منه الأشياء المختلفة فهو المختار لأفعاله لا المطبوع عليها»
201
أحمد بن أبي دؤاد
شخصيته من أقوى الشخصيات في عصره - كان له الأثر الكبير في حياة المسلمين وتاريخ الإسلام - هو عربي من إياد، «قيل إن أصله من قرية بقنسرين، واتجر أبوه إلى الشام وأخرجه معه وهو حدث، فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء العلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء فصار إلى الاعتزال».
202
ويروي الخطيب البغدادي أنه ولد بالبصرة سنة 160.
وقد اتصل بالمأمون من طريق يحيي بن أكثم، فكان يحضر مجالس المأمون في الجدل والمناظرة؛ فأعجب المأمون بعقله وحسن منطقه فقربه، وأصبح ذا نفوذ كبير في قصره، وكان من وصية المأمون للمعتصم: «وأبو عبيد الله أحمد ابن أبي دؤاد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك ولا تتخذن بعدي وزيرا». فلما ولي المعتصم جعل ابن أبي دؤاد قاضي القضاة مكان يحيى بن أكثم، وكان كذلك قاضي القضاة في أيام الواثق، فلما ولي المتوكل أصيب بالفالج وأفل نجمه، فكانت مدة عظمة ابن أبي دؤاد ونفوذه وجاهة نحوا من ثمان وعشرين سنة، من سنة 204، وهي السنة التي عرفه فيها المأمون، إلى 232 وهي سنة خلافة المتوكل. ومات أحمد سنة 240 على ما حكى المسعودي والذهبي وابن خلكان.
كان ابن أبي دؤاد عظيم الجاه، قوي النفوذ، وقد كسب نفوذه من شخصيته الفذة ومكانته من الخلفاء؛ مثل في دولة النفوذ الفارسي المروءة العربية، فكان واسع المروءة، بعيد الهمة، كان مظهر مروءته الكرم الوافر الذي يمتلك به قلوب الناس، وأعلى بكرمه شأن العرب كما أعلى البرامكة بكرمهم شأن الفرس، وكان يقال: «أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة ثم ابن أبي دؤاد».
203
وكان كالبرامكة في أنه يغمر بكرمه أهل الأدب ورجال العلم، فالتف حوله الناس، ثم كان بحكم عربيته يتعصب للعرب ويدفع - ما قدر - السوء عنهم من الفرس والأتراك، وكان عمله في ذلك شاقا لنفوذ الفرس والأتراك في الدولة، فخلص أبا دلف العجلي من يد الإفشين وقد كاد يقتله ، وأنقذ حياة خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني من يد المعتصم، وقصده الشعراء والأدباء لأنه كان أديبا مثلهم، كما كان فقيها متكلما. قال أبو العيناء: «كان ابن أبي دؤاد شاعرا مجيدا، فصيحا بليغا». وقال المرزباني: «وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء وروى له أبياتا حسانا»،