تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حرض ثمامة المأمون يوما على لعن معاوية وأن يكتب بذلك كتاب يقرأ يوم الدار، ولم يرض عن ذلك يحيي بن أكثم، وقال: يا أمير المؤمنين إن العامة لا تحتمل هذا ولا سيما أهل خراسان، ولا نأمن أن تكون لهم نفرة، وإن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه، وألا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق، فإن ذلك أصح في السياسة وأحرى في التدبير، فمال المأمون إلى رأي يحيى، وقال لثمامة إن يحيي يخوفني من العامة. فقال ثمامة: وما العامة؟ والله لو وجهت إنسانا على عاتقه سواد ومعه عصا لساق إليك بعصاه عشرة آلاف منها، وقد سواها الله بالأنعام فقال:

أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، والله يا أمير المؤمنين لقد مررت منذ أيام بشارع الخلد فإذا إنسان قد بسط كساءه وألقى عليه أدوية وهو ينادي: «هذا الدواء لبياض العين والعشاء والغشاوة والظلمة وضعف البصر»، وإن إحدى عينيه لمطموسة ... والناس قد انثالوا عليه يستوصفونه، فنزلت عن دابتي، ودخلت في غمار تلك الجماعة، وقلت: يا هذا، أرى عينك أحوج هذه الأعين إلى العلاج، وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنه شفاء لوجع العين، فلم لا تستعمله؟ فقال: أنا في هذا الموضع منذ عشر سنين ما مر بي شيخ أجهل منك، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: يا جاهل أين اشتكت عيني؟ قلت: لا أدري. قال: بمصر. فأقبلت علي الجماعة وقالوا: صدق الرجل وهموا بي. فقلت: والله ما علمت أن عينه اشتكت بمصر. فما تخلصت منهم إلا بهذه الحجة. فضحك المأمون وقال: ما لقيت منك العامة! قال ثمامة: الذي لقيت من الله من سوء الثناء وقبح الذكر أكثر.

198

فثمامة في هذا يدفع المأمون إلى تنفيذ مذهب الاعتزال، وقد بدأ برأي المعتزلة في سب معاوية، وهذه كانت أول خطوة يتلوها ما بعدها، ومنه خلق القرآن كما سترى. وهو يحقر العامة ويحمل الخليفة على ألا يعبأ بهم، لأنهم هم أكبر عقبة في سبيل مذهب الاعتزال الحقيقي.

وله في تحقير العامة الشيء الكثير؛ سأل الرشيد يوما جلساءه عن أسوأ الناس حالا، فقال كل واحد شيئا، حتى جاء دور ثمامة فقال: أسوأ الناس حالا عاقل يجري عليه حكم جاهل. قال ثمامة: فتبينت الغضب في وجه الرشيد (لأنه ظن أنه يعنيه وكان قد حبسه)، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أحسبني وقعت بحيث أردت، وإنما عنيت حادثة، وهي أن سلاما الأبرش (وكان سجانا) وأنا في السجن كان يقرأ في المصحف:

ويل يومئذ للمكذبين

فقلت له: المكذبون هم الرسل، والمكذبون هم الكفار، فاقرأها

ويل يومئذ للمكذبين

فقال سلام: «قيل لي من قبل إنك زنديق ولم أقبل» ثم ضيق علي أشد الضيق، فجعل الرشيد يضحك.

وهو قوي الحجة: ناظر يحيى بن أكثم بين يدي المأمون في خلق الأفعال فقال ثمامة: ليست تخلو أفعال العباد من أمور: أن تكون كلها من الله ليس للعباد فيها صنع، أو أن يكون بعضها من العباد وبعضها من الله؛ فإن زعمت أن ليس للعباد فيها صنع كفرت، ونسبت إلى الله كل فعل قبيح؛ وإن زعمت أنها من الله ومن العباد كفرت، لأنك جعلت الخلق شركاء الله في فعل الفواحش والكفر؛ وإن زعمت أنها للعباد ليس لله فيها صنع صرت إلى ما أقوله.

ورأى أبو العتاهية يوما ينشد:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه

تملكه المال الذي هو مالكه

ألا إنما مالي الذي أنا منفق

وليس لي المال الذي أنا تاركه

إذا كنت ذا مال فبادر به الذي

يحق وإلا استهلكته مهالكه

فسأله ثمامة: من أين قضيت بهذا؟ قال: من قول رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» فقال ثمامة له: أتؤمن بأن هذا قول رسول الله، وأنه الحق؟ قال له: نعم، قال ثمامة: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بذرة

199

في دارك ولا تأكل منها ولا تشرب، ولا تزكي، ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس. قال ثمامة: وبم تزيد حال من افتقر على حالك، وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٦٥