تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمامة بن الأشرس

أما ثمامة بن الأشرس - أبو معن النميري - فلون آخر من ألوان الاعتزال؛ ليس بالزاهد، ولكنه المعتزلي المغامر في شئون الدنيا، المتردد على قصور الخلفاء، المنادم لهم، والذي يزين مجالسهم بالكلام العذب في الأدب، والمناظرة في مسائل الاعتزال وغير الاعتزال؛ فقد ملئت كتب الأدب بأحاديثه الممتعة، ونوادره الطريفة. يقول الشهرستاني: «إنه كان جامعا بين سخافة الدين، وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار على فسقه في غير توبة». أما سخافة الدين فلعله أراد به مذهبه في الاعتزال، ولم يكن سخيفا؛ والمرتضى يصفه بأنه «كان واحد دهره في العلم والأدب، وكان جدالا حاذقا»؛ والجاحظ ينقل عنه كثيرا في إجلال واحترام. وأما خلاعة النفس فيظهر أنه كان يعطي لنفسه حظها في الحياة فينعم بالطيبات، ولا يتورع، ولا يتزهد. اتصل أول أمره بهارون الرشيد، ورمي بالزندقة لحرية رأيه فحبسه الرشيد ثم عفا عنه، وأعجبه عقله فاتخذه نديما؛ ثم علا شأنه في أيام المأمون فكان عنده فوق الوزراء. أراده المأمون ليكون وزيرا له بعد قتل الفضل بن سهل فأبى وقال: «إني لم أر أحدا تعرض للخدمة والوزارة إلا لم يكن لتسلم حاله ولا تدوم منزلته» فقبل المأمون منه ذلك، وقال له: فأشر علي برجل صالح لما أريد، فأشار عليه بأحمد بن أبي خالد الأحول.

193

ومع أن ثمامة هو الذي رشح أحمد بن أبي خالد، فلم يعرف أحمد لثمامة يده، وقال له يوما بحضرة المأمون: يا ثمامة، كل أحد في الدار فله معنى غيرك، فإنه لا معنى لك في دار أمير المؤمنين، فقال له ثمامة: إن معناي في الدار والحاجة إلي لبينة، فقال: وما هي؟ قال: أشاور في مثلك هل تصلح لموضعك أم لا تصلح؟ فأفحم.

194

فلما مات أحمد بن أبي خالد عاد المأمون فأراد ثمامة على الوزارة فأبى، فاستشاره فيمن يصلح، فنصحه بيحيى بن أكثم، بعد أن استوثق ثمامة من يحيى بألا يغدر به كما غدر من قبله، ولكن سرعان ما وقع بينهما الشر.

195

ولعل السبب في ذلك كله ما كان يدور في مجلس المأمون من مناظرات ومباحثات يظفر فيها ثمامة بخصمه لفصاحته وقوة حجته؛ فيحقد ذلك عليه من يناظره، ولو كان هو السبب في نعمته، سيما وقد كان ثمامة لا يرحم مناظره ويلزمه الحجة في قسوة.

وكان لثمامة الفضل في نشر الاعتزال، لقربه من المأمون ومعرفة الناس بأنه يستشار في المناصب؛ حتى يحكي طيفور: «أنه بلغ من مقاربة يحيي بن أكثم لثمامة وطلب المنزلة منه أنه جعل يتعلم القول في الاعتزال».

196

يقول الجاحظ: «قال ثمامة، كان جعفر بن يحيي (البرمكي) أنطق الناس، قد جمع الهدوء، والتمهل والجزالة والحلاوة وإفهاما يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة». وقال ثمامة مرة: «ما رأيت أحدا كان لا يتحبس ولا يتلجلج ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد ولا يتلمس التخلص إلى معنى قد تقصى عليه طلبه، أشد اقتدارا ولا أقل تكلفا من جعفر ابن يحيي». يقول الجاحظ بعد هذا القول: «وهذه الصفات - التي ذكرها ثمامة بن أشرس فوصف بها جعفر بن يحيي - كان ثمامة بن أشرس قد انتظمها لنفسه واستولى عليها دون جميع أهل عصره، وما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه، وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك». قال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه، الواضحة في مخارج كلامه كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول:

له كلم فيك معقولة

إزاء القلوب كركب وقوف»

197

وهي شهادة من الجاحظ تعترف بأن ثمامة كان أبلغ أهل عصره وأحسنهم منطقا وأقدرهم على أداء المعاني. وحسبك بقول الجاحظ من شهادة. وقد كان ثمامة من شيوخ الجاحظ، نقل عنه كثيرا من أدبه في البيان والتبيين والحيوان، ويقول «أخبرنا ثمامة» و«حدثني ثمامة»، وانتفع به في أسلوبه ومعانيه؛ كما كان - على ما يظهر لي - أستاذه في المجون والفكاهة والنادرة اللاذعة، فما حكى لنا من نودر ثمامة تدل دلالة واضحة على ذلك.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٦٤