تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

187

حتى سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا فأكفرهم، فقال له إبراهيم: «هل الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك»؟! وكفر المشبهة والمجبرة، وألف كتابا في ذلك كفر فيه أكثر أهل الأرض. ولعله أول من أشعل النار في بغداد في فتنة خلق القرآن، فقد أثار المسألة بشكل يلفت الأنظار، ويغري بالجدال، فزعم أن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة وبلاغة ونظما.

188

ولعله كان يرى كبعض المعتزلة أن الإعجاز أتى من ناحية معانيه الدينية وإخباره بالمغيبات، ثم بالغ (كعادته) في القول بخلق القرآن، وكفر من قال بقدمه، وقال: من قال بذلك فقد أثبت قديمين.

189

وطبيعي أن هذا القول من أبي موسى يثير الناس للجدل والرد عليه، ويجعلهم يقابلون الغلو بالغلو، وكذلك كان، فقد اتسع الموضوع في هذا الحديث حتى كانت المحنة فيما بعد.

ووقف من الصحابة والأحداث السياسية موقف كثير من المعتزلة، فكان يتبرأ من عمرو بن العاص ومعاوية ومن كان في صفهما، وتوقف في الحكم على عثمان، فلم يحكم عليه بخير ولا شر، لأنه خلط عملا صالحا وآخر سيئا، ولكنه تبرأ من قاتليه؛ وشهد لهم بأنهم من أهل النار.

وكان قول المعتزلة هذا في معاوية وعمرو وحزبهما يوافق هوى العباسيين، لأنهم يكرهون دولتهم، ويحبون كل ما يشوه سمعتهم، فإذا كان من رجال الدين - أمثال المعتزلة - من يتبرأ منهم صادف ذلك هوى في نفوسهم. ولكن هل تأثر المعتزلة في هذا الرأي بالسياسة العباسية؟ أظن أن بعضهم من رجال الدنيا والدين معا تأثروا بذلك، وبعضهم هداه إلى ذلك التفكير الحر، وأظن أن من هؤلاء الأخيرين أبا موسى المردار، فقد كان ورعا زاهدا، ومن كان يكر بالقرب من السلطان لا يبيع رأيه له.

الجعفران

وكان من حسنات «المردار» تلميذاه الجعفران، جعفر بن مبشر وجعفر ابن حرب، سيدا معتزلة بغداد في عصرهما، ومضربا المثل في العلم والعمل. وكان جعفر بن مبشر الثقفي مقدما في الكلام والفقه والحديث والقرآن والنسك والاجتهاد، وألف الكتب الكثيرة في الكلام والفقه، وكان يرى ما يشبه قول أهل الظاهر، فيرى إتباع ظاهر القرآن والسنة والإجماع، ويكره الرأي والقياس، وألف في ذلك كتابا في الرد على أصحاب الرأي والقياس. وكان يناظر بشرا المريسي فيفر بشر منه لقوة حجته. وكان خليفة المردار في الزهد والورع وحسن القصص؛ وقد نقل أهل «عانات» كلهم إلى الاعتزال بحسن تأتيه ورقة قصصه.

190

وقد سأل الواثق أحمد بن أبي داود - وكلاهما معتزلي - لم لا تولي القضاء أصحابنا (من المعتزلة)؟ فقال يا أمير المؤمنين: إنهم يمتنعون عن ذلك، وهذا جعفر بن مبشر وجهت إليه بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فذهبت إليه بنفسي واستأذنت فأبى أن يأذن لي.. فكيف أولي القضاء مثله؟

191

ومات جعفر بن مبشر سنة 234.

وجعفر بن حرب الهمداني كان كذلك عالما متكلما زاهدا، درس الكلام في البصرة على أبي الهذيل العلاف، ثم درس في بغداد على أبي موسى المردار، وقد عني بالرد على شيخه العلاف، ووضع فيه كتابا سماه «توبيخ أبي الهذيل». وحكى عنه المرتضى أن أباه كان من أصحاب السلطان خلف له ثروة من ضياع ومال فتجرد جعفر عنها، كما حكى أن جعفرا هذا كان يحضر مجلس الواثق للمناظرة، فحضر مرة وحضر وقت الصلاة فقاموا لها، وتقدم الواثق وصلى بهم، وتنحى جعفر فنزع خفيه وصلى وحده؛

192

فقال له أحمد بن أبي داود: إن هذا (يشير إلى الواثق) لا يحتملك على هذا الفعل، فإن عزمت عليه فلا تحضر مجلسه. فقال جعفر: ما أريد الحضور لولا أنك تحملني عليه، ثم انقطع ومات سنة 236.

وعلى الجملة فإن المردار وتلميذيه الجعفرين قد أظهروا في بغداد نوعا من الاعتزال، ورعا زاهدا، فكانوا أشبه شيء بعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء؛ وكانت سيرتهم سببا في انتشار الاعتزال ببغداد، وضرب المثل بالجعفرين، فكان يقال علم الجعفرين، وزهد الجعفرين، كما يقال عدل العمرين.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٦٣