تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

175

ونحن نسوق مثلا من شعره في ذلك، قال في أول إحدى القصيدتين:

الناس دأبا في طلاب الغنى

وكلهم من شأنه الختر

كأذؤب تنهشها أذؤب

لها عواء ولها زفر

176

تراهم فوضى وأيدي سبا

كل له في نفثه سحر

تبارك الله وسبحانه

من بيديه النفع والضر

من خلقه في رزقه كلهم

الذيخ والتيتل والغفر

177

وساكن الجو إذا ما علا

فيه ومن مسكنه القفر

والصدع الأعصم في شاهق

وجأبة مسكنها الوعر

178

والحية الصماء في جحرها

والتنفل الرائغ والذر

179

وهقلة ترتاع من ظلها

لها عرار ولها زمر

180

تلتهم المرو على شهوة

وحب شيء عندها الجمر

181

وظبية تخضم في حنظل

وعقرب يعجبها التمر

وإلقة ترغث رباحها

والسهل والنوفل والنضر

182

ولعل قصيدتي بشر بن المعتمر في عجائب صنع الله في الحيوان هما اللتان أوحتا للجاحظ تأليف كتابه «الحيوان».

وله شعر مزاوج، مثل قوله في تفضيل علي على الخوارج:

ما كان من أسلافهم أبو الحسن

ولا ابن عباس ولا أهل السنن

غر مصابيح الدجى مناجب

أولئك الأعلام لا الأعارب

كمثل حر قوص ومن حر قوص

بقعة قاع حولها قصيص

183

ليس من الحنظل يشتار العسل

ولا من البخور يصطاد الورل

هيهات ما سافلة كعاليه

ما معدن الحكمة أهل البادية

فشعره أكثره شعر تعليمي تتعلق بالديانات والمذاهب، والعظة بالنظر في مخلوقات الله، وهكذا. وقد ذكر المرتضى أن له قصيدة أربعين ألف بيت رد فيها على جميع المخالفين. •••

وأما مذهبه في الاعتزال فلم يبق من أقواله إلا نتف قليلة، ويظهر أن أهم ما يحثه مسألة «المسئولية» أو التبعة، فكثير من كلامه يدور في الحقيقة حولها، فقد ذكروا أنه «هو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه».

184

وقد سبقت الإشارة إلى معنى التولد. والظاهر أن بحثه في التولد كان الغرض منه تحديد المسئولية، فالعمل يصدر من الإنسان قد تتولد منه أعمال أخرى كالحجر يرمي فيكسر زجاجة، وتتطاير من الزجاجة شظية تصيب إنسانا وهكذا، فإلى أي حد يسأل الإنسان عما يتولد من أعماله. ولم ينقلوا إلينا - مع الأسف - تفصيلا شافيا لرأي «بشر» في هذا .

ومما يدور حول المسئولية أيضا بحثه في أعمال الطفل، هل هو مسئول عنها وهل يعاقبه الله عليها؟ فرأى «بشر» أنه ليس بمسئول وأن الله تعالى قادر على أن يعذبه، ولكنه لو فعل ذلك لكان ظالما إياه، ولكنه رأى أن هذا تعبير غير مستحسن في جانب الله؛ فيحسن أن يعبر عن هذا المعنى تعبيرا ألطف.

ومما يتصل بالمسئولية أيضا قوله: إن من تاب عن كبيرة ثم عاد إليها استحق العقوبة على الجريمة الأولى التي تاب عنها، فإن توبته إنما تمحو المسئولية بشرط ألا يعود. •••

وقد تتلمذ له كثيرو كان من أظهرهم شخصية وأبعدهم أثرا في نشر الاعتزال في بغداد ثلاثة: (1)

أبو موسى المردار. (2)

وثمامة بن الأشرس. (3)

وأحمد ابن أبي داود.

أبي موسى المردار

فأما أبو موسى فاسمه عيسى بن صبيح، وإليه يرجع الفضل في انتشار الاعتزال ببغداد، بشخصيته الزاهدة الورعة الناسكة، وبقوة لسانه وفصاحته، وقدرته على الوعظ وحسن القصص. حضر مجلسه يوما أبو الهذيل العلاف، فسمع قصصه بالعدل وحسن ثنائه على الله، ووصفه له بالإحسان إلى خلقه، والتفضل على عبيده، وإساءتهم إلى أنفسهم، وتقصيرهم فيما يجب لله عليهم، فبكى وقال: «هكذا شهدت مجالس أشياخنا الماضيين من أصحاب أبي حذيفة وأبي عثمان رضوان الله عليهم»؛

185

ومن أجل هذا سمي «راهب المعتزلة». ولما حضرته الوفاة أوصى ألا يورث ورثته من تركته، وأن يفرق ما خلف على المساكين، فقيل له: فلم ذلك؟ فذكر أن ماله لم يكن له، وأنه كان للفقراء، فخانهم إياه، ولم يزل. ينتفع به طول حياته».

186

فهو في هذا اشتراكي عملي متطرف.

والناس يؤثر فيهم هذا المنظر الورع الزاهد، فلا عجب إذا انتشر الاعتزال في بغداد بسلوكه.

وناحيته الاعتزالية من جنس شخصيته؛ فهو غال في الاعتزال؛ شديد الغلو؛ يمعن في تكفير الناس، فلا يسلم من تكفيره إلا القليل، حتى بعض المعتزلة لم يسلم من تكفيره؛ فمن قال إن الله يرى بالأبصار فهو كافر؛ ومن قال إن أعمال العباد مخلوقة لله فهو كافر؛ ومن لابس السلطان فهو كافر لا يرث ولا يورث ،

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٦٢