تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أن الله مع ذلك كله لم يخلقه ! فأعطوا جميع صفات الخلق، ومنعوا اسم الخلق ... والعجب أن الذي منعه - بزعمه - أن يزعم أنه مخلوق، أنه لم يسمع ذلك من سلفه، وهو يعلم أنه لم يسمع أيضا من سلفه أنه ليس بمخلوق»

173

إلخ.

وعلى الجملة فقد كان الجاحظ من الرجال القليلين الذين لهم أثر واسع في الأدب وفي الكلام وفي الدين، ورزق الحظوة في أسلوبه، فكان أسلوبا سهلا، عذبا، واسعا، فكها، يتتبع المعنى ويقلبه على وجوهه المختلفة، ولا يزال يولده حتى لا يترك فيه قولا لقائل؛ فلما استعمل أسلوبه هذا في الاعتزال وفي المسائل الدينية قربها إلى الأذهان، وكانت قبله مركزة غامضة لا يدركها إلا الخاصة، فجلا بأسلوبه غامضها، وأوسع ضيقها وقربها إلى كل ذهن يفهم، فاتسعت دائرة المعارف، ووصلت به إلى أذهان لم تكن تسيغ أقوال الفلاسفة والمتكلمين، وأقنع عقول قوم لم يكن يقنعهم القول الموجز، والتعبير المجمل؛ فأي إنسان من قراء العربية بعده لم يكن مدينا له؟ (3-2) فرع بغداد

بشر بن المعتمر

هو أبو سهل الهلال مؤسس فرع الاعتزال في بغداد، وقد اتصل بالفضل ابن يحيي البرمكي، وكان مقربا إليه، وأزهر في أيام هارون الرشيد، وهو شخصية قوية، وله ناحيتان بارزتان: ناحيته الأدبية، وناحيته الاعتزالية.

ففي الأدب: يظهر لي أنه أول مؤسس لعلم البلاغة العربية، وذلك بالصحيفة القيمة التي نقلها الجاحظ عنه في البيان والتبيين؛

174

فقد تعرض فيها لأمور أساسية في البلاغة لم أرها لأحد من قبله، فقد نصح فيها للكاتب: (1)

بأن يتخير أوقات الكتابة فليس كل وقت صالحا لها، فليعمد إلى أوقات الفراغ، وخلو البال، ومواتاة الطبع، فإن ذلك أحرى أن يخرج الكلام عنده سهلا سائغا لا متكلفا ولا معقدا. (2)

ورسم المثل الأعلى للكلام البليغ، وهو أن يكون اللفظ رشيقا عذبا، وفخما سهلا، والمعنى ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا. (3)

وأبان أساس البلاغة، وهو أن يكون الكلام مطابقا لمقتضى الحال «فليس يشرف المعنى بأن يكون من معاني الخاصة، وليس يتضع بأن يكون من معاني العامة، إنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال»، فإذا أمكن الأديب أن يفهم العامة معاني الخاصة ويكسوها الألفاظ التي تقربها إليهم «فهو البليغ التام». (4)

وعرض للألفاظ وأماكنها في الكلام، وأنه يجب أن تقع موقعها، وتحل في مراكزها ونصابها، وتتصل بشكلها، ولا تكون نافرة من موضعها، ولا مكرهة على النزول في غير أوطانها.

فمن لم يجد نفسه أهلا لذلك، وتعصى فكره، فإن كان لعارض عرض، فليترك الكتابة إلى أن تواتيه طبيعته، أما إن تخلف ذهنه وذوقه لا لعلة عارضة، ولكن لعدم استعداد وجمود قريحة، فخير أن يترك الأدب والبلاغة، ويتحول إلى صناعة أخرى هو لها أكثر استعدادا وأشد مشاكلة.

وهذه كما ترى أسس البلاغة. وقد كتبها قبل أن يؤلف الجاحظ كتابه البيان والتبيين، لأن الجاحظ نقلها عنه، ولأن بشرا نضج قبل نضج الجاحظ، ومات قبله بنحو خمس وأربعين سنة - فإن بشرا مات نحو سنة 210 ومات الجاحظ سنة 255، ولا نعلم قبل بشر من تعرض لوضع هذه الأسس في اللغة العربية، فلو أسميناه «مؤسس علم البلاغة» لم نبعد.

ثم كانت له قدرة فائقة في نوعي المخمس والمزدوج من الشعر. قال الجاحظ: «لم أر أحدا أقوى على المخمس والمزدوج مما قوي عليه بشر، وقد كان في ذلك أقدر من أبان اللاحقي».

وقد نبغ في نوع من الشعر يذكر فيه حكمة الله في خلقه وعلى الأخص الحيوان، وقد ذكر له الجاحظ في الحيوان قصيدتين طويلتين في هذا الباب وقال: «أول ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعري بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب والفوائد، ونبه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة والموعظة البليغة». ثم ذكر القصيدتين وأخذ في شرحهما؛

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٦١