ونقد النابتة من أهل عصره الذين يزعمون «أن سب ولاة السوء فتنة ولعن الجورة بدعة» وعجب من أنهم مجمعون على لعن من قتل مؤمنا متعمدا أو متأولا؛ ثم إذا كان القاتل سلطانا جائرا، أو أميرا عاصيا لم يستحلوا سبه ولا خلعه ولا نفيه ولا عيبه، وإن أخاف الصلحاء، وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير، وظلم الضعيف؛ وإنما يتسكعون مرة، ويداهنونهم مرة، ويقاربونهم مرة، ويشاركونهم مرة، إلا بقية ممن عصمه الله.
ومما خلفه الجاحظ في المسائل الدينية بعض نتف من رسالة كتبها يصف فيها أنواع الشراب في عصره، ويحتج فيها لتحليل النبيذ وتحريم الخمر؛ ويظهر من رسالته أنه مع تقريره حل النبيذ لم يكن يشربه.
171
وقد وضع الجاحظ على لسان سائله مزايا النبيذ، واستعمل في ذلك أسلوبه الأدبي، فبالغ في دقة وصفه وأثره في الجسم والنفس بأكثر مما فعل أبو نواس، ورد ردا شديدا جريئا على فقهاء المدينة لتحريمهم النبيذ، منتصرا لرأي العراقيين فيقول: «لعل قائلا يقول: أهل مدينة الرسول
صلى الله عليه وسلم
ودار هجرته أبصر بالحلال والحرام والمسكر والخمر وما أباحه الرسول وما حظره ... وكلهم مجمع على تحريم الأنبذة المنكرة وأنها كالخمر ... وإنا نقول في ذلك إن عظم حق البلدة لا يحل شيئا ولا يحرمه، وإنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق والسنة المجمع عليها والعقول الصحيحة والمقاييس المعينة». وعاب على أهل المدينة أنهم جلدوا حتى من يحمل الزق الفارغ، «لأنهم زعموا أنه آلة الخمر، وكان يجب على هذا المثال أن يحكم بمثل ذلك على حامل السيف والسكين والسم القاتل، لأن هذه كلها آلات القتل». وختم ذلك بأن أهل المدينة لم يخرجوا من طبائع الإنس إلى طبائع الملائكة، وليس كل ما يقولونه حقا وصوابا.
وقد أفادتنا هذه الرسالة أيضا أن الجاحظ لا يرى العمل بالحديث إلا ما كان مجمعا عليه، كما يدل عليه نصه المتقدم؛ فإذا اختلف الناس في الحديث كأن يصححه قوم ويضعفه آخرون، أو كأن يروي حديث آخر ينقصه فالحكم للعقل؛ ولذلك ترك الأحاديث الواردة في النبيذ، لأن بعضها يفيد الحل، وبعضها يفيد الحرمة، ورجع إلى عقله يحكمه. كما أبان بصراحة أن العقل الصحيح أساس من أسس التشريع، ووضعه في شكل غير الشكل الذي يوضع عادة، وهو القياس المقيد في كتب الفقهاء.
وهاجم في هذه الرسالة رجال الحديث، ورماهم بالقصور في البحث والتنقيب والميل عن التنقير، والانحراف عن الإنصاف، وهذا دأب المعتزلة والمحدثين دائما، متنافرين متباغضين متخاصمين خصومة عنيفة، للاختلاف بينهم في العقلية ومنهج البحث، وبلغ ذلك أشده في فتنة خلق القرآن كما سيأتي.
والجاحظ ينقدهم لأنهم جماعون، لا يعملون عقولهم فيما يروون، يقول: «ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفت المئونة، ولكن أكثر الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، ودون الإخبار عن البرهان».
172
وينقدهم هم والمفسرين لأنهم يميلون إلى الغريب من الألفاظ، والغريب من الأخبار والروايات من غير تمحيص؛ ولذلك تراه فيما يعرض له من الحديث ومن التفسير في كتاب «الحيوان» يحكم العقل في الروايات، ويقف لتفهم العلل، ويفسر تفسيره حسب المعقول وطبائع الأشياء.
ثم كان زعيم المعتزلة في زمنه في الدفاع عن مبادئها، والمتوسع في مسائلها، والمقرر لها، ويقف في وجه من يتعرض لها، يدافع عن نظرية الحسن والقبح، والتعديل والتحوير؛ ويدافع عن نظرية خلق القرآن فيقول: «ثم زعم أكثرهم أن كلام الله حسن ... وأن الإنجيل غير القرآن، والبقرة غير آل عمران، وأن الله تولى تأليفه، وجعله برهانه على صدق رسوله، وأنه لو شاء أن يزيد فيه زاد، ولو شاء أن ينقص منه نقص ... ولو شاء أن ينسخه كله بغيره نسخه، وأنه أنزله تنزيلا، وأنه فصله تفصيلا وأنه بالله كان دون غيره، ولا يقدر عليه إلا هو،