بل يظهر أن الجاحظ توسع في نظرية «الطباع» هذه إلى أقصى حد، ونظر إليها نظرة واسعة تشمل العالم حتى الأخرى. ومن الأسف أنه لم ينقل إلينا من ذلك إلا رموز لا تكفي كفاية تامة لشرح النظرية؛ فالشهرستاني يقول: إن الجاحظ «كان يقول بإثبات الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها؛ وقال باستحالة عدم الجواهر، فالأعراض تتبدل والجوهر لا يجوز أن يفنى. وقال في أهل النار إنهم لا يخلدون فيها عذابا، بل يصيرون إلى طبيعة النار. وكان يقول: النار (أي نار الآخرة) تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد فيها».
168
وهي عبارة - على إيجازها - تدل على معان عديدة، فهو يقرر فيها القوانين الطبيعية للأشياء؛ فللماء وللنار ولأشياء هذا العالم كلها قوانين طبيعية لا تتخلف، وهو يقرر المبدأ الهام الحديث وهو أن المادة لا تنعدم، فهو يقول: «الجوهر لا يجوز أن يفنى» وإنما تتغير الأعراض؛ فجوهر المادة ثابت لا ينعدم وإنما يتحول ويتغير فيكون مرة ماء، ومرة زرعا، ومرة معدنا، ومرة خشبا، وهذه كلها أعراض طارئة على المادة، وإن شئت فقل: إنها طارئة على العناصر الأولية التي تتكون منها المواد.
بل يذهب في ذلك إلى رأي غريب حتى في الآخرة؛ يرى أن طبيعة أهل النار وفاق للنار، وعلى هذا النمط طبيعة أهل الجنة وفاق للجنة؛ فأهل النار بطبيعتهم يعلنون النار عن أنفسهم، فهي تجذبهم إليها بطبيعتها وطبيعتهم.
وأما المسألة الثانية التي ذكرها المرتضى، وذكر أن الجاحظ أغرم بها، وهي الكلام على الرافضة؛ فقد بقي لنا مما كتبه الجاحظ فيها نتف قصيرة من رسالته في «استحقاق الإمامة» - والرافضة فرقة من الشيعة سميت بذلك لأنه لما خرج زيد بن علي بن الحسين سئل عن رأيه في أبي بكر وعمر فأحسن القول فيهما وترحم عليهما، فرفضه قوم من الشيعة من أجل توليه لهما فسموا رافضة، وانقسم الشيعة إذ ذاك إلى فريقين: رافضة وزيدية، وكلاهما يفضل عليا على أبي بكر وعمر، ولكن الزيدية أقل طعنا عليهما وأعدل حكما فيهما كما سيأتي.
وقد وقف الجاحظ في هذه الرسالة موقف المدافع عن أبي بكر وعمر، واستحقاقهما الإمامة بعد أن ذكر - في أقوى بيان - الحجج التي لجأ إليها الزيدية والرافضة في تفضيل علي عليهما، ثم أخذ يرد عليهما حجة حجة. وخلاصة رأيه، كما تدل عليه هذه الشذور المتفرقة والمقتطفات المنتثرة: أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
لم ينص على خليفة، ولم يعين من يتولى بعده، بدليل حديث السقيفة، وأن القرابة لا تصح أن تكون سبب التفضيل، وأن أبا بكر وعمر أولى من علي. وتعرض في ثنايا ذلك إلى البحث في هل يصح أن يكون للمسلمين أكثر من إمام واحد في زمن واحد، فرأى أن هذا لا يصح لما يترتب عليه من المفاسد والمنازعات والخصومات مما يسبب العجز عن درء المفاسد، وتحصيل المصالح على الوجه الأكمل. وأشار في كلامه في هذه الرسالة إلى أن له كتابا خاصا في الرد على الرافضة.
169
ولعله مما يكمل رأيه في استحقاق الإمامة رأيه في بني أمية الذي ذكره في رسالته المعنونة بذلك،
170
فهو يمدح عصر أبي بكر وعمر، وست السنين الأولى من عصر عثمان، فقد كانت أيام ألفة واجتماع كلمة؛ ثم تتابعت الأحداث، وتلاحقت الفتن إلى أن قتل علي، فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللعنة؛ ثم ذكر معاوية وأنه حول فيه الإمامة ملكا كسرويا، والخلافة غصبا قيصريا، وعدد ما ارتكب من أخطاء، وأكفره من أجل أعماله، ونعى على من ترك إكفاره من أهل عصر معاوية، ومن أهل عصر الجاحظ، فقال: «على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربت عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا ، فقالوا لا تسبوه فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت أن من السنة ترك البراءة مما جحد السنة». واستمر يعدد فظائع يزيد، من قتل الحسين، ورمي الكعبة، وإباحة المدينة، حتى أتى إلى عبد الملك بن مروان فنعى عليه أنه خنق البقية الباقية من الحرية في نقد الخلفاء والولاة، فقال: «وقد كان بعض الصالحين ربما وعظ الجبابرة، وخوفهم العواقب، وأراهم أن في الناس بقية ينهون عن الفساد في الأرض، حتى قام عبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف، فزجرا عن ذلك وعاقبا عليه وقتلا فيه، فصاروا لا يتناهون عن منكر فعلوه».