166
ويظهر أن الجاحظ كان يرى هذا الرأي فأداه إلى القول بأن المعارف ليست من فعل الإنسان، لأنها متولدة إما من اتجاه الحواس أو من اتجاه النظر. ولذلك قال إن الإنسان في تحصيل معارفه ليس له إلا توجيه الإرادة، وما يحدث بعد ذلك فاضطرار وطبيعة؛ فإذا أنت فتحت عينك فأدركت أن هذا الشيء أحمر، وهذا أصفر، وأن هذا أكبر من ذاك، ففتحك لعينك عمل إرادي اختياري كسبي، وأما المعارف التي تحصل منه، أو بعبارة أخرى تتولد منه، فاضطرارية؛ وكذلك الشأن في توجيه الفكر إلى البحث واستعراض البرهان، فتوجيه النظر عمل إرادي، ولكن اقتناع الناظر أو عدم اقتناعه وتحصيل العلم به عمل ضروري أو اضطراري لا كسبي.
ومعارف الإنسان معارف بطبعه؛ فهو يلتقم الثدي بطبعه، ويألم ويطرب بطبعه، فإذا نما عقله طبيعيا نمت معارفه طبيعية، فبدأ يدرك أن الكل أكبر من الجزء، وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين، وهو بطبعه يتطلب الفكر والنظر، وهو بطبعه يقبل ما صح لديه من برهان ويرفض ما لم يصح عنده.
ولعل توسع الجاحظ في هذا الباب أداه إلى تضييق دائرة الكافرين الذين يعاقبون على كفرهم؛ فمن لم تبلغه الدعوة فليس بآثم، ومن بلغته ولم يؤده النظر إلى الإيمان بها فليس بآثم؛ إنما يأثم من قام لديه البرهان على صحة الدعوة وعاند. وهذا ما حكاه الغزالي عنه في ذلك: «ذهب الجاحظ إلى أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور؛ وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقد عجزوا عن درك الحق ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى إذ استد عليهم طريق المعرفة».
167
فهو بهذا يرى أن الأوربيين مثلا وغير الأوربيين والعالم كله ناجون إلا فئة قليلة وصل بها بحثها إلى أن الإسلام حق، ثم عاندت في قبول الإسلام حرصا على جاه أو رياسة دينية أو نحو ذلك من الأسباب. وقد رد عليه الغزالي بأن هذا الرأي ليس بمحال عقلا، ولو ورد به الشرع لكان جائزا، ولكن الشرع أتى بعقاب قوم لم ينظروا، وكان في مكنتهم أن ينظروا؛ بل إنا نرى الغزالي مضطربا في هذا الموضوع، فأحيانا يتشدد ويرد على الجاحظ في رأيه هذا كما في كتابه المستصفي، وأحيانا يذهب مذهبا قريبا من مذهب الجاحظ كما في كتابه «فيصل التفرقة».
ووجه ما ذهبنا إليه من ربطنا قول الجاحظ في هذه المسألة بقوله إن المعارف ضرورية، أنه لما رأى أن المعارف ضرورية استتبع ذلك أن آراء الإنسان وعقائده ليست مكتسبة، بل هي مفروضة عليه فرضا، وأنها نتيجة حتمية لكيفية تكوين عقله وما يعرض من الآراء، وأنها تفاعل طبيعي بين هذين العاملين، فمن عرض عليه دين فلم يستحسنه عقله فهو مضطر إلى عدم الاستحسان، وليس في الإمكان أن يستحسن؛ فمن أسلم عن نظر فإسلامه ضروري غير مكتسب، ومن كفر فكفره ضروري غير مكتسب؛ وليس للإنسان من الأعمال المكتسبة إلا توجيه الإرادة، فإذا وجهها فما بعد ذلك من كفر وإيمان لا دخل له فيه. وحينئذ لا يكون مسئولا عن اعتقاده، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها؛ فمن أصيب بعمى اللون فرأى الأحمر أسود فلا لوم عليه في ذلك، إذ ليس في استطاعته إلا أن يفتح عينه أو يقفلها، أما أن يرى هذا أسود أو أحمر فلا دخل له فيه ، وكذلك الشأن في المعقولات.
هذا ما استطعت أن أفهمه من قول الجاحظ: «إن المعارف ضرورية»، ومن قول المرتضى، إنه أغرى بذلك. ولست أرى في هذا الرأي تناقضا بينه وبين مبدأ المعتزلة العام، وهو أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، لأنه إذا قال بسيطرة الإنسان على إرادته لم يخالف المبدأ العام، وإن قال إن ما تولد بعد ذلك طبع وضرورة.