151
ثم هو يجرب بنفسه في الحيوان والنبات، ويفضل التجربة على كل نقل، فيصف معركة رآها بين جرذ وسنور.
152
ووصف برنية زجاج فيها عشرون عقربا وعشرون فارا، ووصف ما فعلت العقارب بالفئران.
153
ويقول إن الناس يقولون إن الأفاعي تكره ريح السذاب والشيخ، أما أنا فإني ألقيت على رأسها وأنفها من السذاب ما غمرها فلم أجد على ما قالوا دليلا.
154
وهو يسأل الجزارين ويصحح منهم أخبارا كاذبة شاعت عند الناس،
155
ويسأل الحوائين فيما يتعلق بالحيات.
156
ثم له الملاحظات الدقيقة والتوجيهات اللطيفة حتى في أدق الأمور، كأن يتساءل: لم يناغي الطفل المصباح؟ فيقول: «إن الطفل لا يناغي شيئا كما يناغي المصباح، وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس وتهييج الهمة، والبعث على الخواطر في فتق اللهاة وتشديد اللسان، والسرور الذي له في النفس أكرم الأثر».
157
ويبحث في الألوان هل أصلها السواد أو البياض وتختلف الألوان بقدر المزاج أو لا، والعلاقة بين البياض والضياء، ويبحث في السبب الذي من أجله تختلف ألوان النيران وألوان السحاب.
158
ويبحث في لغة الحيوان ونشوئها وترقيها من القط والكلب إلى القرد وعدد الحروف التي تنطق بها،
159
إلى كثير من أمثال هذه المباحث الطريفة. ثم هو ينقد الآراء الشائعة بعقله العلمي، فلا يؤمن بأقوال الناس أن في حمص طلسما يمنع العقارب من أن تعيش فيها، ويعلل ذلك باحتمال وجود حيوان مضاد للعقرب يمنعها من أن تعيش في هذا البلد. ويهزأ بوجود طلسم يمنع البعوضة إذا عضت أن تكون لها حرقة، فيكذب ذلك بأن بعوضة عضت ظهر قدمه بعيد المغرب فلم يزل منها في أكال وحرقة إلى أن سمع أذان العشاء.
160
ويبحث في العين وتأثيرها بحثا علميا.
161
ويبحث فيما شاع عند الناس من المسخ وما ورد في ذلك من الآثار، ويعرض لأقوال الطبيعيين والعلماء في ذلك مع الحجج العقلية.
162
فلو قلنا إن الجاحظ كان أوسع أهل زمانه معرفة لم نبعد. ولو بقيت لنا كتبه كلها، وجمعنا ما فيها، ورتبناه ترتيبا أبجديا لخرج لنا منها «دائرة معارف» شاملة وافية دالة على معارف عصر الجاحظ.
ولنعد بعد ذلك إلى ناحية الجاحظ الاعتزالية.
قال المرتضى في المنية والأمل: «إن الجاحظ أغرى بشيئين: كون المعارف ضرورية، والكلام على الرافضة».
163
فأما أن المعارف ضرورية، فهي عبارة غامضة، ما الذي يقصد بها الجاحظ؟ لعله مما يلقي ضوءا على هذه العبارة النصوص الآتية:
قال الأشعري: قال الجاحظ: «ما بعد الإرادة فهو للإنسان بطبعه، وليس باختيار له، وليس يقع منه فعل باختيار سوى الإرادة».
164
وقال الشهرستاني: قال الجاحظ: «إن المعارف كلها ضرورية طباع، وليس شيء من ذلك من أفعال العباد، وليس للعباد كسب سوى الإرادة، ويحصل أفعاله طباعا».
165
وهذه المسألة جرى فيها الخلاف بين علماء الكلام في عصر الجاحظ وبعده: هل المعارف ضرورية أو نظرية؟ ويعنون بالضرورية أنها تحصل بلا اكتساب وبلا نظر، وبأنها نظرية أنها تحصل بالاكتساب والنظر؛ فكان الفخر الرازي يرى كالجاحظ أنها ضرورية، وكان إمام الحرمين والغزالي يريان أنها نظرية؛ ويرى غيرهم أن بعضها ضروري وبعضها نظري، وفي ضوء هذا يمكننا تفسير رأي الجاحظ.
وقد جر المعتزلة إلى البحث في هذا الموضوع مسألتان هما: (1)
هل الإنسان يخلق أفعال نفسه أو يخلقها الله فيه؟ (2)
والأفعال المتولدة من فعل؛ هل تنسب إلى الفاعل أو لا تنسب؛ فإذا رمى حجرا في الماء فتولدت منه دائرة ودائرة ودائرة، هل تنسب إليه؟ وإذا أشعل عودا فأحرق البيت، وتولد عن الإحراق موت أشخاص، وتولد من الموت أحداث، هل تنسب إلى من أشعل العود؟ وقد تقدم بحث هاتين المسألتين؛ فكان «ثمامة بن الأشرس» من أعلام المعتزلة يرى أن الأفعال المتولدة لا فاعل لها؛ فقد يفعل شخص فعلا، ويتولد بعد موته عنه أفعال، فلا يمكن نسبتها إلى الميت، وإذا كانت قبيحة فلا يمكن نسبتها إلى الله، لأنه لا يفعل القبيح، فهي أفعال لا فاعل لها، فيجب أن نقول ذلك في كل المتولدات.