وكان في حياته لسان المعتزلة المدافع عنها، المناصر لها، الموضح لمشاكلها، الذائد عن حياضها، ولكن - مع الأسف - أدى التعصب البغيض إلى أن يحتفظ الناس بكتبه الأدبية لا الدينية، فكتبه في الاعتزال لم تصل إلينا ولم يسلم من يد المتزمتين ضيقي النظر؛ فقد بقي لنا «البيان والتبيين» و«الحيوان» و«البخلاء» ونحوها من كتب الأدب، ولكن لم يبق لنا مثلا كتابه «الاعتزال وفضله على الفضيلة»، ولا كتابه في «الاستطاعة وخلق الأفعال» و«خلق القرآن» وكتاب «فضيلة المعتزلة» إلى غير ذلك من كتبه الدينية. فالمترجم له من ناحية الاعتزال يحار فيه كما يحار في غيره من المعتزلة، ويحاول أن يجمع نتفا متفرقة هنا وهناك ليتعرف منها مذهبه في الاعتزال، مع أنه المؤلف المكثر والكاتب القدير.
لعل الجاحظ كان أكثر أهل زمانه اطلاعا على أنواع المعارف المعروفة في زمنه، فهو في الأدب مطلع أتم الاطلاع على الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي وشعر المحدثين، ومطلع على أخبار العرب وخطبهم وفصيح قولهم، وفي العلوم الدينية عالم واسع العلم في القرآن والحديث والمذاهب الكلامية، وفي الثقافة اليونانية خبير بها مطلع على دقائقها، وأكبر ما يدل على ذلك كتابه «الحيوان»، فهو عالم بالطبيعيات والإلهيات اليونانية،
144
يعرف ما كتب أرسطو في الحيوان ويكثر النقل عنه، ويسميه «صاحب المنطق» أحيانا ويسميه باسمه أحيانا، وهو عالم بما قاله اليونان في النفس والأخلاق،
145
وينقل عن حنين وبختيشوع
146
وينقل عن سلمويه.
147
وعلى الجملة فقد جمع الجاحظ في عقله كل ثقافة عصره، وقل أن يكون له في ذلك نظير، فقد كان العلماء يبرزون في ناحية من النواحي، فاللغوي لا يعرف الفلسفة، والفيلسوف لا يعرف الأدب، ولكن هذه الإحاطة قل أن نجدها عند غير النظام أولا، والجاحظ من بعده، وقد فاق الجاحظ في ذلك أستاذه. ومن أجل هذا كان للجاحظ فضل على الأدب والفلسفة جميعا، ففي الأدب كان فضله أنه أغزر معانيه، وجعل له موضوعا بعد أن كاد يكون شكلا بحتا؛ فتقرأ رسائله فتجدها ناصعة الأسلوب، غزيرة المعنى، لها موضوع ولها شكل، هذه رسالة في القيان، وهذه رسالة في المعلمين، وهذه رسالة في الغناء، حتى رسالته في الهجاء، وهي رسالة «التربيع والتدوير»، استطاع أن يجعل لها موضوعا علميا، بل لعلها أحسن رسائله لمن شاء أن يعرف أي المسائل العلمية والعقلية والأدبية والفلسفية كان يشغل الناس في عصر الجاحظ. وفضله على الفلسفة أنه صاغها صياغة أدبية قريبة إلى الأذهان، لا كما كان يفعل حنين وبختيشوع الأعجميان؛ فهو يمزج كلام أرسطو بأشعار الجاهليين، وقول الفلاسفة بأقوال الأدباء، ويخرج من ذلك كله إلى نتيجة تلذ القارئ وتغذي العقل.
وهو مع ذلك كله استفاد فائدة كبرى من أستاذه «النظام» ومن المعتزلة عامة في القول بسلطان العقل؛ فليس عبدا للأدب يرويه فقط، بل يرويه وينقده، وليس عبدا لأرسطو وفلاسفة اليونان كما يفعل حنين وبختيشوع وسلمويه، وليس عبدا للحديث كما يفعل المحدثون، بل ينقده ولا يسلم بصحته شيء منه إلا ما استساغه العقل.
فهو يهزأ بروايات العرب عن السعالي وأولاد السعالي من الناس، ويهزأ بما روي من الشعر في رؤية الجن وأحاديث الجن، وينقد العلماء مثل أبي زيد الأنصاري في أنه يروي هذه الأخبار ولا ينقدها، ويرى أن أبا زيد أمين ثقة ولكن ينقصه النقد لأمثال هذه الأخبار،
148
ويهزأ بالخرافات الشائعة في عصره.
149
وينقل عن أرسطو كثيرا من آرائه في الحيوان ثم ينقد بعضها، فيقول مثلا: «وهذا غريب»، ويقول حينا: «ولم أفهم هذا، ولم كان ذلك؟» إلخ
150
بل يهزأ به أحيانا فيقول: «وقد زعم صاحب المنطق أنه قد ظهرت حية لها رأسان، فسألت أعرابيا عن ذلك فزعم أن ذلك حق، فقلت له: فمن أي جهة الرأسين تسعى؟ ومن أيهما تأكل وتعض؟ فقال: فأما السعي فلا تسعى، ولكنها تسعى إلى حاجتها بالتقلب كما يتقلب الصبيان على الرمل؛ وأما الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغدى بفم، وأما العض فإنها تعض برأسيها معا - فإذا به أكذب البرية».