140
وخالفهما معمر المعتزلي أيضا؛ فكان يرى أن الأجسام ساكنة دائما، وإنما الحركة في اللغة فقط.
وكان «النظام» يرى أن الجوهر مؤلف من أعراض اجتمعت وأن العالم خلق دفعة واحدة على ما هو عليه من معادن ونبات وحيوان، وكل ما في الأمر أن المتأخر منه في الزمان كامن في المتقدم، فالتقدم والتأخر إنما يقعان في ظهورها من كمونها دون حدوثها ووجودها.
وبحث في أشياء كثيرة طبيعية يطول شرحها؛ كبحثه في الأعراض ورؤيتها، وفي الإنسان هل هو الروح فقط أو الروح والجسم، وفي الأصوات، وفي الخواطر، وفي النار والنور، وفي العلل، وفي التولد إلخ. وإنما الذي يهمنا الآن آراؤه الكلامية والدينية.
فقد رقى النظام أصول المعتزلة وزاد فيها ونظمها؛ فوسع القول في توحيد الله على النحو الذي رأيت قبل، وقال: إن الله لا يوصف بالقدرة على الشر، لأن القبح إذا كان صفة ذاتية للقبح ففي تجويز وقوع القبح منه قبح. وزاد في القول بحرية الإرادة عند الإنسان وسيطرته على أعماله، وقد شرحنا قبل أصول المعتزلة، وجزء كبير منها من تنظيم النظام.
ثم له آراء دينية أخرى، كقوله بأن إعجاز القرآن إنما سببه ما فيه من إخبار عن الغيوب؛ كالإخبار عن عالم الغيب؛ وكالإخبار عن أحداث مستقبلة مثل قوله تعالى:
الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين . وقوله:
قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ؛ وإخباره بما في نفوس قوم وبما سيقولونه إلخ؛ «أما التأليف والنظم والأسلوب فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن الله صرفهم عن الإتيان بمثله».
141
وأنكر الإجماع وقال إنه غير ممكن والعلماء متفرقون في الأمصار على النحو الذي نشاهده، حتى إذا أمكن فقد يجوز أن تجمع الأمة كلها على الضلال من جهة الرأي والقياس كما نقله عنه الجاحظ،
142
فكان لا يؤمن بالإجماع، وكان قليل الإيمان بالقياس، وقليل الإيمان بصحة رواية الحديث، ويكاد لا يؤمن بأصل إلا القرآن والعقل.
وعلى الجملة فكان شخصية غريبة حقا، يشعر هو بقوة شخصيته، وقوة عقليته، فلا يريد أن يقف أمامها شيء؛ فهو يفسر القرآن حسب ما يؤديه إليه عقله، ويخضع ما يرويه المحدثون لحكم عقله؛ ويطلق عقله في نقد ما روي من أعمال الصحابة، وما روي من آرائهم، ولا يرضى عن الفقهاء في كثير من أقوالهم، حتى ولا يرضى عن المعتزلة في مجموعهم، ويهجم على أكبر الفلاسفة فلا يعترف لهم بسلطان؛ فيخطي أرسطو ويخطئ الذريين، ويخطئ الطبيعيين؛ وهكذا كان عقله فوق عواطفه، ورأيه وفكره فوق دينه. يريد أن يخضع كل شيء للمنطق، وفاته أن الدنيا منطق وفن، والإنسان عقل وشعور، والحياة رأي وعاطفة.
وقد كان المعتزلة بعده عيالا عليه؛ قال الجاحظ: «لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل؛ فإن لم أقل ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم (يعني النظام) لهلكت العوام من المعتزلة، فإني أقول إنه قد أنهج لهم سبلا، وفتق لهم أمورا، واختصر أبوابا ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها النعمة».
143
الجاحظ
تكلمنا فيما سبق عن الجاحظ الأديب، ونريد أن نتكلم هنا كلمة في الجاحظ المعتزلي.
ولعلنا بعد أن ألقينا بعض الضوء على «النظام» وحياته ومنهجه في البحث، نستطيع أن نقول إن الجاحظ لم يكن أمة وحده، وإنه لم يكن بدعا، ولم تتكون عقليته من عدم، إنما كان وليد النظام ونتاجا له، وصورة من صوره في البلاغة وفي منهج البحث، وفي سعة الاطلاع، وفي تحرير العقل، وفي الشك والتجربة قبل الإيمان واليقين، وربما لم يكن يساوي النظام في حدة الذهن ولا في الجرأة، ولكن ربما فاقه في اطلاعه على كتب الثقافة اليونانية وغيرها أكثر مما اطلع النظام بحكم تقدم الزمان، وازدياد حركة الترجمة والتأليف؛ هذا إلى أن النظام مات شابا في مقتبل حياته، أما الجاحظ فقد عمر طويلا، ولم يمت إلا بعد أن نيف على التسعين، واتصل بالأمراء والخلفاء والعامة، ورزق الحظوة عندهم، ورزقت كتبه الحظوة بما منح من أسلوب فضفاض جذاب طويل متعرج غير ممل.