133
وقد بقيت لنا من ردود النظام عليهم بعض فقر حكاها عنه الجاحظ في كتاب الحيوان؛ فحكى عن النظام أنه قال: «إن الدهرية قالت في عالمنا هذا أقاويل؛ فمنهم من زعم أنه من أربعة أركان، حر وبرد ويبس وبلة، وسائر الأشياء نتائج وتركيب وتوليد، وجعلوا هذه الأربعة أجساما؛ ومنهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: أرض وهواء وماء ونار،
134
وجعلوا الحر والبرد واليبس والبلة أعراضا لهذه الجواهر، ثم قالوا إن سائر الأراييح والألوان والأصوات ثمار هذه الأربعة على قدر الأخلاط في القلة والكثرة والرقة والكثافة إلخ».
135
ثم أطال في الرد عليهم، وكان رده من الناحية الطبيعية العقلية، لا من الناحية الدينية.
136
كما رد على الديصانية في قولهم: «إن أصل العالم إنما هو من ضياء وظلام، وأن الحر والبرد واللون والطعم والصوت والرائحة إنما هي نتائج لهما على قدر امتزاجهما». وقد أدى هذا البحث مع هؤلاء وهؤلاء وغيرهم إلى إثارة مسائل طبيعية كثيرة - فإن سأل سائل: ما الذي دعا المعتزلة إلى ولوج هذه المسائل؟ فالجواب الآن واضح، وهو أن كثيرا من الفرق الأخرى كالدهرية والديصانية كانت تشرح نشوء العالم شرحا طبيعيا وترجعه إلى عناصر أساسية، وتأخذ في شرح الظواهر الطبيعية المترتبة على هذا الأصل، فتعرض المعتزلة للرد عليهم في أصولهم وفروعهم؛ فإذا هم أمام أبحاث طبيعية صرفة - مثال ذلك ما أثاره النظام من نظرية «الظهور والكمون»: فالنار في العود قبل أن يحترق، هل هي موجودة؟ وإن كانت موجودة فهل هي على سبيل المجاورة أو المداخلة؟ فكان النظام يرى أن في الحجر والعود نارا كامنة، ومن أنكر ذلك لزمه أن يقول: إنه ليس في السمسم دهن ولا في الزيتون زيت ولا في الإنسان دم قبل أن يشرط، وكان ليس بين من أنكر أن يكون الصبر مر الجوهر، والعسل حلو الجوهر قبل أن يذاقا، وبين السمسم والزيتون قبل أن يعصرا فرق، ويلزمه أن يقول إن حلاوة العسل، وحموضة الخل، وسواد القار، وبياض الثلج، وحمرة العصفر، وصفرة الذهب، وخضرة البقل، إنما تحدث عند الذوق وعند الرؤية، فإذا وصلوا إلى ذلك دخلوا في باب الجهالات، وكانوا كالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء وإن ثقلت، وإنما يخلق الماء عند حل رباطها، وكذلك فليقولوا في الشمس والقمر والكواكب والجبال إذا غابت عن أبصارهم - وفرع النظام القول بالكمون، وبالغ في التوليد منه والتأكيد عليه، حتى زعم أن التوحيد لا يصح مع إنكار الكمون؛ لأن إنكاره إنكار للطبائع ودفع للحقائق. وقد أطال الجاحظ في شرح مذهب النظام في الكمون وزاد هو على نظريته، وداخل بين كلامه وكلامه مما لا يسعه المقام، فليرجع إليه من شاء وقد سقنا ما ذكرنا مثلا لبحث المعتزلة في الطبيعيات.
137
ويحث النظام في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ أو الذرة، وهي قضية دار حولها الجدل طويلا في الفلسفة اليونانية، وألف النظام في ذلك كتابا سماه «الجزء» وأقام البراهين على إنكاره، فكان رأيه أن «لا جزء إلا وله جزء، ولا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وأن الجزء جائز تجزئته أبدا ولا غاية له في باب التجزؤ»؛
138
فإن كان قوله من ناحية الإمكان العقلي فهذا صحيح، وإن كان من ناحية الإمكان الفعلي فمحل نظر - وقد شغلت هذه المسألة أفكار كثير من المعتزلة، وسنعود إليها بعد.
كما بحث «النظام» في الطفرة والحركة والسكون، وفسر الطفرة بأن الجسم الواحد قد يكون في مكان ثم يصير إلى المكان الثالث من غير أن يمر بالثاني «على سبيل الطفرة» ومثل لذلك بالدوامة،
139
يتحرك أعلاها أكثر من حركة أسفلها، ويقطع الحز أكثر مما يقطع أسفلها وقطبها - وكل ذلك في زمان واحد، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بالطفرة. وكان يرى أن الأجسام متحركة دائما، وغاية الأمر أن الحركة حركتان: حركة اعتماد، وحركة نقلة، فهي كلها متحركة في الحقيقة، وساكنة في اللغة، وليس الكون إلا حركة، مناقضا في ذلك قول أستاذه العلاف في أن الأجسام قد تسكن حقيقة وتتحرك حقيقة، وأن الحركة والسكون غير الكون.