تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

127

وقال فيه أبو نواس يهجوه:

قولا لإبراهيم فولا هترا

غلبتني زندقة وكفرا

إن قلت ما تشرب؟ قال خمرا ... ... ... ... ...

أو قلت ما تترك؟ قال برا

أو قلت ما ترهب؟ قال بحرا

أو قلت ما تقول؟ قال شرا

أصلاه ربي لهبا وجمرا

ولكن أبا نواس لا يعتد يهجوه فليس في هجائه مقياس الصدق، فقد هجا أبا عبيدة ورماه باللواط، وهجا قطربا النحوي كذلك. وابن الأعرابي وأبان اللاحقي إلخ؛ وهجا كل من كان يضايقه حتى هجا رمضان لأنه بالصوم يضايقه؛ وهجا المطر لأنه أفاته موعد حبيب. وقال الجاحظ في البخلاء: «كان أبو نواس يرتعي على خوان إسماعيل بن نوبخت كما ترتعي الإبل في الحمض بعد طول الخلة. ثم كان جزاؤه منه أنه قال:

خبز إسماعيل كالوشى

إذا ما شق يرفا

والمعتزلة ينكرون هذا كله ويجعلونه من وضع المحدثين والمجان، ويحمدون للنظام دينه ومواقفه في الدفاع عن الإسلام، فقد رد على الدهرية والملحدين، وقضى حياته هو وأمثاله في حياطة التوحيد ونصرته، والذب عنه عند طعن الملحدين فيه، وشغلوا أنفسهم بالإجابة عن دعاوى الملحدين ووضع الكتب عليهم، إذ شغل أهل الدنيا بلذاتها وجمع حطامها.

128

قال الخياط في الانتصار: «ولقد أخبرني عدة من أصحابنا أن إبراهيم «النظام» رحمه الله قال وهو يجود بنفسه: اللهم إن كنت تعلم أني لم أقصر في نصرة توحيدك، ولم أعتقد مذهبا من المذاهب اللطيفة إلا لأشد به التوحيد، فما كان منها يخالف التوحيد فأنا منه بريء، اللهم فإن كنت تعلم أني كما وصفت فاغفر لي ذنوبي وسهل علي سكرة الموت»،

129

ثم قال الخياط: وهذه هي سبيل أهل الخوف لله والمعرفة به.

ولعله كان يشرب النبيذ على عادة أهل العراق، ويستحسن الجمال على عادة الأدباء، فاستغل المحدثون ذلك وشنعوا عليه.

وعلى الجملة فقد كان «النظام» آية دهره، يروون عن الجاحظ أنه قال: «كان الأوائل يقولون في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحا فهو النظام».

130

كان ذا ثقافة واسعة، من ثقافة أدبية - فهو يحفظ كثيرا من الأشعار والأخبار - وثقافة دينية، فقد روى المرتضى أنه قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها، إلى معرفة فقهية واسعة في الأحكام والفتيا، إلى ثقافة فلسفية، فقد قرأ بعض كتب أرسطو ورد عليه. قال المرتضى: «ذكر جعفر ابن يحيي البرمكي أرسططاليس، فقال النظام: قد نقضت عليه كتابه، فقال جعفر: كيف وأنت لا تحسن أن تقرأه؟ فاندفع (النظام) يذكر شيئا فشيئا وينقض عليه، فتعجب منه جعفر».

131

وقال الشهرستاني: «إن (النظام) قد طالع كثيرا من كتب الفلسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة». وقال في موضع آخر: «إن أكثر ميله أبدا إلى تقرير ومذاهب الطبيعيين (من الفلاسفة) دون الإلهيين».

آراؤه الكلامية:

اهتم النظام بالدفاع عن الإسلام، والرد على الملحدين؛ وخصص جزءا كبيرا من زمنه في الرد على الدهريين، وهم فرقة كانت منتشرة في زمن النظام في العراق وغيره، لا تؤمن بدين ولا تقر بإله، ولا تؤمن إلا بالمحسوس، ولا تعتقد أن وراء هذا العالم المادي عالما، فلا معاد ولا ثواب ولا عقاب،

132

ونسبتهم إلى الدهر أخذا من حكاية الله عنهم قولهم:

وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر .

هم يقولون بقدم العالم وأبديته، وما يحدث في العالم فإنما يحدث بقوانينه الطبيعية، فهم أشبه بما نسميهم اليوم الماديين أو الطبيعيين؛ ويظهر أن تعاليمهم لم تكن في كل العصور ولا كل الفرق واحدة، ولذلك اختلف مؤرخو العقائد في حكاية أقوالهم. وقد استبدوا أكثر تعاليمهم من مذاهب فلسفية يونانية قديمة. وقد تسلسل هذا المذهب الطبيعي من فلاسفة اليونان إلى القرون الوسطى، ثم ترقى في العصور الحديثة على يد أصحاب مذهب النشوء والارتقاء وغيره من الطبيعيين، كما تسلسل الرد عليهم من اليونانيين أنفسهم إلى فلاسفة القرون الوسطى، ومنهم المعتزلة وعلى رأسهم النظام إلى العصور الحديثة، وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني في رسالته الرد على الدهريين.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٥٣