تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

122

صلى الله عليه وسلم ». فترى من هذا جرأته الصريحة العنيفة، حتى إن الجاحظ - وهو يجله إجلال التلميذ الوفي لأستاذه - لا يتمالك بعد أن حكى هذا القول أن يصرخ ويقول: «لا رحم الله النظام ولا من قال بقوله».

والنظام يسير في القول بسلطان العقل إلى آخر حدود السلطان، فهو يرى أيضا في موقف طالب العلم من الكتب ألا يكون حاطب ليل، بل ينبغي أن يتخير مما فيها، ولا يسمح أن يدخل في نفسه إلا الجيد المنتقى، ويقول: «القليل والكثير للكتب، والقليل وحده للصدر - ويقول: إن الكتب لا تحيي الموتى، ولا تحول الأحمق عاقلا ولا البليد ذكيا، ولكن الطبيعة إذا كان فيها أدنى قبول فالكتب تشحذ وتفتق وترهف وتشفي؛ ومن أراد أن يعلم كل شيء فينبغي لأهله أن يداووه، فإن ذلك إنما تصور له بشيء اعتراه، فمن كان ذكيا حافظا فليقصد إلى شيئين أو إلى ثلاثة أشياء، ولا ينزع عن الدرس والمطارحة - ولا يدع أن يمر على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه ما قدر عليه من سائر الأصناف، فيكون عالما بخواص، ويكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس»،

123

فهو لهذا يضع منهجا بديعا للدرس، فينقد من يسير في تعلمه على طريقة حشو المعلومات في الذهن حشوا، ولا يعجبه قول ابن يسير:

أما لو أعي كل ما أسمع

وأحفظ من ذاك ما أجمع

ولم أستفد خير ما قد جمع

ت لقيل هو العالم المصقع

فكان يقول: «كلف ابن يسير الكتب ما ليس عليها»، فهي لا تصير البليد عالما، فالعلم ليس في جمع الكتب وحفظ ما فيها، وإنما هو بالتعقل. كما أن النظام أوضح فكرة في التعليم كان يظن أنها جديدة، فهو يرى أن العالم يجب أن تكون له ثقافتان: ثقافة عامة فيأخذ من كل شيء بطرف، وثقافة خاصة، وهي أن يتخصص في بعض الفروع ويتعمق فيها ويتبحر:

ومن أثر إيمانه بسلطان العقل جرأته كذلك في نقد الصحابة ووضعهم موضع سائر الناس وتشريح أعمالهم السياسية وآرائهم الفقهية، وقد أشرنا إلى طرف من ذلك قبل.

124

وقد ذكر ابن أبي الحديد أن النظام ألف كتابا اسمه كتاب النكت، انتصر فيه لكون الإجماع ليس بحجة. فاضطره ذلك إلى أن ذكر عيوب الصحابة، فذكر لكل منهم عيبا، ووجه إلى كل منهم طعنا. وقال في علي إنه لما حارب الخوارج يوم النهروان كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ينظر إليها، ثم يطرق إلى الأرض فينظرها تارة أخرى، يوهم أصحابه أنه يوحى إليه. ثم يستمر النظام في نقده على ذلك النهج - وقد رد عليه ابن أبي الحديد وأقر بصحة الخبر: أن عليا كان يرفع رأسه إلى السماء تارة ويطرق تارة، وفسر ذلك بأنه حيث كان يرفع رأسه كان يدعو ويتضرع إلى الله، وحيث يطرق كان يغلبه الهم والفكر إلخ

125

وهذا مثل لجرأته النادرة في النقد.

هذا والمحدثون يكرهونه كرها عميقا، وهذا طبيعي بعد الذي ذكرنا من مهاجمته لهم، وهم يصورونه فاسقا سكيرا. فيقول ابن قتيبة: «وجدنا النظام شاطرا من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر، ويبيت على جرائرها، ويدخل في الأدناس، ويرتكب الفواحش والشائنات؛ وهو القائل:

ما زلت آخذ روح الزق في لطف

وأستبيح دما من غير مجروح

حتى انثنيت ولي روحان في جسدي

والزق مطرح جسم بلا روح

126

ومثل ذلك في الأنساب للسمعاني.

والأغاني يصوره محبا لجمال الغلمان، فيروي أنه لقي غلاما حسن الوجه فاستحسنه وأراد كلامه فعارضه، فقال له: يا غلام إنك لولا ما سبق من قول الحكماء مما جعلوا به السبيل إلى مثلك في قولهم: «لا ينبغي لأحد أن يكبر عن أن يسأل، كما أنه لا ينبغي لأحد أن يصغر عن أن يقول» لما أتيت لمخاطبتك ولا انشرح صدري لمحادثتك، لكنه سبب الإخاء وعقد المودة، ومحلك من قلبي محل الروح من جسد الجبان. فرد عليه الغلام بقول للنظام، وهو لا يعرفه. فقال له النظام: إنما كلمتك بما سمعت، وأنت عندي غلام مستحسن، ولو علمت أن محلك مثل محل «معمر» في الجدل لما تعرضت لك».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٥٢