تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

119

فهو في هذا لا يؤمن بطيرة ولا أحلام، وهو يعرض لما روي في الشعر العربي من أحاديث عن الجن والغيلان وأن بعض الأعراب سمعوهم وحدثوهم، فيحلل ذلك تحليلا نفسيا فلسفيا دقيقا فيقول: «أصل هذا الأمر وابتداؤه أن القوم لما نزلوا ببلاد الوحش عملت فيهم الوحشة، ومن انفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء والبعد عن الناس استوحش، ولا سيما مع قلة الاشتغال والمذاكرين والوحدة، ولا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير، والفكر ربما كان من أسباب الوسوسة، وقد ابتلي بذلك غير حاسب ... وخبرني الأعمش أنه فكر في مسألة فأنكر أهله عقله حتى حموه وداووه، وقد عرض ذلك لكثير من الهند؛ وإذا استوحش الإنسان مثل له الشيء الصغير في صورة الكبير. وارتاب وتفرق ذهنه وانتقضت أخلاطه، فيرى ما لا يرى، ويسمع ما لا يسمع، ويتوهم الشيء الصغير أنه عظيم جليل، ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرا تناشدوه وأحاديث توارثوها، فازدادوا بذلك إيمانا، ونشأ عليه الناشئ، وربى به الطفل، فصار أحدهم حين يتوسط الفيافي وتشتمل عليه الغيطان في الليالي الحنادس، وعند أول وحشة أو فزعة، وعند صياح بوم ومجاوبة صدى يرى كل باطل ويتوهم كل زور. وربما كان في الجنس والطبيعة تفاحا كذابا وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من الشعر على حسب هذه الصفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان وكلمت السعلاة، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول رافقتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوجتها ... ومما زادهم في هذا الباب وأغراهم به، ومد لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيا مثلهم، وإلا غبيا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يوجب التكذيب والتصديق أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت في هذه الأجناس قط. وإما أن يلقوا راوية شعر أو صاحب خبر، فالرواة عندهم كلما كان الأعرابي أكذب في شعره كان أظرف عندهم، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك حديثه أكثر؛ فلذلك صار بعضهم يدعي رؤية الغول أو قتلها أو مرافقتها أو تزويجها».

120

وهذا تحليل يدل على عقل راجح ونظر دقيق وتفكير حر، ولعل النظام علل هذا تدعيما لرأي المعتزلة الذي سبق من أن الجن لا يراهم الإنس؛ وأن طبيعة تكوين الجن لا تمكن الإنس من رؤيتهم.

ثم هو واسع الحرية في التفكير شديد الجرأة على المحدثين، قليل الإيمان بصحة الحديث، وهو شديد الإيمان بالقرآن، قليل التصديق بما يرويه المفسرون حول الآيات من أخبار، كالذي يرويه في التفسير عكرمة، والكلبي، والسدي، ومقاتل.

وقد ضربنا أمثلة من قبل في بيان مهاجمته للمحدثين وبيان ما في الأحاديث التي رووها من تناقض،

121

ثم هو يحكم العقل في الأحاديث، فإن كان عقله لا يقر الحقيقة التي رواها الحديث أنكر الحديث في شدة غريبة. أسوق لذلك مثلا، وهو أن الأحاديث كثيرة في مدح القط وذم الكلب، وتفضيل الأول على الثاني، فالهرة محبوبة في الإسلام وسؤرها طاهر، والكلب مكروه وسؤره نجس أشد النجاسة، ومع ذلك يقف النظام بجانب عقله ويقول مخاطبا المحدثين: «لقد قدمتم السنور على الكلب. ورويتم أن النبي

صلى الله عليه وسلم

أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها، وتربيتها، وأنه قال: إنهن من الطوافات عليكم، مع أن كل منفعة السنور إنما هي أكل الفار فقط ... وهو مع ذلك يأكل حمامكم وفراخكم، والعصافير التي يتلهى بها أولادكم، ويأكل الطائر الذي يتخذ لحسنه وحسن صوته، فإن هو عف عن أموالكم لم يعف عن أموال جيرانكم - ومنافع الكلب لا تحصيها الطوامير - ثم السنور مع ذلك يأكل الأوزاغ، والعقارب، والخنافيس، والحيات، وكل خبيثة، وكل ذات سم، وكل شيء تعافه النفس؛ ثم قلتم في سؤر السنور وسؤر الكلب ما قلتم، ثم لم ترضوا به حتى أضفتموه إلى نبيكم

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٥١