113
ولكنه يتهمه بأنه مع صدقه «كان أضيق الناس صدرا بحمل سر، وكان شر ما يكون إذا لم يؤكد عليه صاحب السر، وكان إذا لم يؤكد عليه ربما نسي القصة فيسلم صاحب السر»، وكان إذا عيب في ذلك صير الذنب كله لصاحبه الذي حمله السر.
114
هذه ناحيته الخلقية. أما ناحيته العقلية. فهي عقلية قوية سابقة لزمنها، فيها الركنان الأساسيان اللذان سببا النهضة الحديثة في أوروبا، وهما الشك والتجربة، أما الشك فقد كان يعتبره النظام أساسا للبحث، فكان يقول: «الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره يكون بينهما حال شك».
115
وبني على ذلك الجاحظ فقال: «تعلم الشك في المشكوك فيه تعلما، فلو لم يكن ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه. والعوام أقل شكوكا من الخواص، لأنهم لا يتوقفون في التصديق، ولا يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلا الإقدام على التصديق المجرد، أو على التكذيب المجرد، وألغوا الحالة الثالثة من حال الشك».
116
وأما التجربة فقد استخدمها كما يستخدمها الطبيعي أو الكيماوي اليوم في معمله. ومن طريف ذلك أنه اتصل بمحمد بن علي بن سليمان وكان أميرا من أمراء البيت العباسي، فشاركه النظام في عملية لطيفة، وهي أن يسقي الخمر للحيوانات ليرصد نتائج ذلك، فجربوها على كل عظيم الجثة، كالإبل والجواميس والبقر، ثم على الخيل العتاق والبراذين، ثم على الظباء والشاء، ثم على النسور والكلب وابن عرس، ثم أتوا بحاو فكان يحتال على الأفاعي حتى يصب في حلقها بالأقماع، وشاهدوا فعل الخمر في هذه الأجناس المختلفة، وساعد على ذلك مال الأمير وجاهه، حتى احتالوا على أسد مقلم الأظفار فسقوه ليعرفوا مقداره في الاحتمال. قال «النظام». «إني لم أجد في جميع الحيوان أملح سكرا من الظبي، ولولا أنه من الترفه لكنت لا يزال عندي الظبي حتى أسكره وأرى طرائف ما يكون منه».
117
وتجربة أخرى قالها؛ فقد ذكر أنه «شهد محمد بن عبد الله يلقي الحجر في النار، فإذا عاد كالجمر قذف به قدام الظليم، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. وكنت قلت له: إن الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرطوبات، ومتى أطبق عليه شيء يحول بينه وبين النسيم خمد، والحجر أشد إمساكا لما يتداخله من الحرارة، وأثقل ثقلا وألزق لزوقا، وأبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة؛ فأحماها ثم قذف بها إليه فابتلع الأولى، فارتبت به، فلما ثنى وثلث اشتد تعجبي له؛ فقلت: لو أحميت أواقي الحديد ما كان منه ربع رطل ونصف رطل، ففعل فابتلعه، فقلت: هذا أعجب من الأول والثاني، وقد بقيت علينا واحدة، وهو أن ننظر أيستمرئ الحديد كما يستمرئ الحجارة؟ ولم يتركنا بعض السفهاء أن نتعرف ذلك على الأيام، وكنت عزمت على ذبحه وتفتيش جوفه وقانصته، فلعل الحديد يكون قد بقي هناك لا ذائبا ولا خارجا، فعمد بعض ندمائه إلى سكين فأحمي ثم ألقاه إليه فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السكين مع موضع مذبحه، ثم خر ميتا، فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا».
118
وفي هذا مثل أعلى من أمثلة البحث العلمي والتجربة الصحيحة الدقيقة، واستعمال المنطق السليم في البحث عن الحقائق.
ثم هو أبعد ما يكون عن الخرافات، يبحث الأمور بعقله في هدوء وطمأنينة، ويحارب أوهام العوام، ويقيم على ذلك الأدلة؛ فتراه - مثلا - يحارب التطير والتشاؤم، فيقص لذلك قصة لطيفة فيقول: «جعت حتى أكلت الطين، وكان علي جبة وقميصان، فنزعت القميص الأسفل فبعته بدريهمات (لأقتات بثمنه) ثم قصدت فرضة الأهواز فوافيت الفرضة فلم أصب فيها سفينة؛ فتطيرت من ذلك، ثم رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم، فتطيرت من ذلك أيضا، فسألت الملاح عن اسمه، فإذا اسمه بالفارسية معناه الشيطان، فتطيرت من ذلك، ثم ركبت معه تصب الشمال وجهي، وينثر الليل الصقيع على رأسي، فلما قربنا من الفرضة ناديت، يا حمال، فكان أول حمال أجابني أعور، فناديت بقارا فليحمل متاعي فأحضر ثورا أعضب القرن، فازددت طيرة إلى طيرة؛ فلما صرت في الخان وجلست فيه سمعت قرع الباب، قلت: من هذا؟ قال: رجل يريدك. قلت: ومن أنا؟ قال: أنت إبراهيم. فظننته عدوا أو رسول سلطان؛ ثم إني تحاملت وفتحت الباب، فقال: أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز، وهو يقول: نحن وإن كنا اختلفنا في بعض القالة فإنا قد نرجع بعد ذلك إلى حقوق الأخلاق، وقد رأيتك على حال كرهتها، وما عرفتك حتى خبرني عنك بعض من كان معي، وقال: ينبغي أن يكون قد نزعته حاجة؛ فإن شئت فأقم في مكانك عسى أن نبعث إليك ما يكفيك زمنا من دهرك، وإن اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون مثقالا، فخذها وانصرف وأنت أحق من عذر. فتبين لي أن الطيرة باطلة؛ ثم قال: وعلى مثل هذا يعمل الذين يعبرون الرؤيا».