ثم له شعر رقيق نحا فيه نحوا خاصا في دقة المعنى وحسن السبك كقوله:
ذكرتك والراح في راحتي
فشبت المدام بدمع غزير
فإن ينفد الدمع فرط الأسى
بكتك الحشى بدموع الضمير
وقوله:
يا تاركي جسدا بغير فؤاد
أسرفت في الهجران والإبعاد
إن كان يمنعك الزيارة أعين
فادخل إلي بعلة العواد
إن العيون على القلوب إذا جنت
كانت بليتها على الأجساد
وقوله:
أريد الفراق وأشتاقكم
كأنا افترقنا ولم نفترق
أستغنم الوصل كي أشتفي
وهل يشتفي أبدا من عشق؟!
وقوله:
وشادن ينطبق بالظرف
يقصر عنه منتهى الوصف
رق فلو بزت سرابيله
علقه الجو من اللطف
يجرحه اللحظ بتكراره
ويشتكي الإيماء بالظرف
أفديه من مغرى بما ساءني
كأنه يعلم ما أخفي
ويقول:
توهمه طرفي فآلم خده
فصار مكان الوهم من نظري أثر
وصافحه قلبي فآلم كفه
فمن صفح قلبي في أنامله عقر
ومر بقلبي خاطرا فخرجته
ولم أر جسما قط يجرحه الفكر
يمر فمن لين وحسن تعطف
يقال به سكر وليس به سكر
وقال:
هو البدر إلا أن فيه رقائقا
من الحسن ليست في هلال ولا بدر
وينظر في الوجه القبيح بحسنه
فيكسوه حسنا باقيا آخر الدهر
وقال:
ونشكو بالعيون إذا التقينا
فنفهمه ويعلم ما أردت
أقول بمقلتي أن مت شوقا
فيوحي طرفه أن قد علمت
وقال:
أفرغ من نور سمائي
مصور في جسم إنسي
وافتقر الحسن إلى حسنه
فجل من تحديد كيفي
أبدعه الخالق واختاره
من مازج الأنوار علوي
فكل من أغرق في وصفه
أصبح منسوبا إلى العي
ولما مرض قيل له وفي يده قدح دواء. ما حالك؟ فقال:
أصبحت في دار بليات
أدفع آفات بآفات
فتراه في نثره وشعره يتفلسف فتعزز معانيه، وتجود ألفاظه.
وكان يعجبه أبو نواس للطف معانيه ورقة طبعه، وتفلسفه أحيانا وقربه إلى نفسه. قال الجاحظ: «سمعت النظام يقول - وقد أنشد شعر لأبي نواس في الخمر - كأن هذا الفتى جمع له الكلام فاختار أحسنه».
ولما قال أبو نواس:
تركت مني قليلا
من القليل أقلا
يكاد لا يتجزأ
أقل في اللفظ من لا
سأل النظام عن بيت أبي نواس حتى دلوه عليه فقال له: «أنت أشعر الناس في هذا المعنى، والجزء الذي لا يتجزأ منذ دهرنا الأطول نخوض فيه، ما خرج فيه لنا من القول ما جمعته أنت فيه في بيت واحد».
وفي أقواله نواة لما نراه بعد في تلميذه الجاحظ.
ووصفه الجاحظ بقوة الحجة فقال: كان أبو شمر إذا نازع لم يحرك يديه ولا منكبيه، ولم يقلب عينيه، ولم يحرك رأسه، حتى كأن كلامه إنما يخرج من صدع صخرة. وكان يقول ليس من المنطق أن تستعين عليه بغيره؛ حتى كلمه النظام فاضطره بالحجة وبالزيادة في المسألة، حتى حرك يديه وحل حبوته، وحبا إليه حتى أخذ بيديه، ففي ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول النظام.
111
وقد صور الجاحظ نفسية النظام وعقليته تصويرا حسنا، وقد كان أعرف الناس به وأكثر خلطة له، وذلك في مواضع منتشرة من كتاب الحيوان؛ فضممنا بعضها إلى بعض لنستخرج منها صورة كاملة بقدر الإمكان، فقد وصفه بالصدق التام فيما يقول، قال: «كان إبراهيم مأمون اللسان قليل الزلل والزيغ في باب الصدق»؛ ثم فسر قوله قليل الزلل والزيغ بأنه استعمل كلمة «قليل» في موضع «ليس» كما يقال قليل الحياء (أي لا حياء عنده)، فمعنى قوله قليل الزلل أن ليس يزل ولا يزيغ في باب الصدق لشدة تحريه للحق. ثم عابه عيبا دقيقا فقال: إنه كان جيد القياس، جيد الاستنباط، ولكنه لا يتحرى الدقة فيما يقيس عليه؛ «فهو يظن الظن ثم يقيس عليه وينسى أن بدء أمره كان ظنا، فلو كان بدل تصحيحه القياس يلتمس تصحيح الأصل لكان ذلك أولى؛ فكان يحكي حكاية المستبصر المتيقن، ولكنه كان لا يقول سمعت ولا رأيت، والسامع لا يشك أنه امتحنه بنفسه مع أنه لم يسمعه ولم يمتحنه».
112
فالجاحظ يعيبه بسرعة الجزم في المسائل الأصلية قبل التثبت منها. فإذا أعمل عقله في القياس والاستنباط أتى بالعجب العجاب - وهذا من غير شك تحليل دقيق جدا لعقلية النظام - ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر فيقول: «أخبرني النظام وكنا لا نرتاب بحديثه إذا حكى عن سماع أو عيان»،