قد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفا وشاتية
إلى معلمها باللوح والكتف
33
حتى إذا نهد الثديان وامتلآ
منها وخيفت على الإسراف والقرف
34
صينت ثلاث سنين ما ترى أحدا
كما يصون تجار درة الصدف
35
وكانت عريب المغنية تروي الجاريات الأشعار ليتغنين بها
36
ويقول المبرد: «حدثني الجاحظ عن إبراهيم بن السندي قال: كانت تصير إلي «هاشمية» جارية «حمدونة»، في حاجات صاحبتها، فأجمع نفسي لها، وأطرد الخواطر من فكري، وأحضر ذهني جهدي، خوفا من أن تورد علي ما لا أفهمه، لبعد غورها واقتدارها، على أن تجري على لسانها ما في قلبها.» وكذلك ما يؤثرعن خالصة وعتبة جاريتي ريطة بنت أبي العباس.
37 »
ويقول المسعودي: «لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائة وصيف ووصيفة، وفي الهدية جارية يقال لها «محبوبة»، كانت لرجل من أهل الطائف قد أدبها وثقفها، وعلمها من صنوف العلم، وكانت تحسن كل ما يحسنه علماء الناس، فحسن موقعها من المتوكل.»
إذن كانت الجارية كثيرا ما تعلم أدبا، وتعلم فنا، وخاصة الغناء، وكان هذا التعلم يغلي قيمتها أضعاف ثمنها؛ فقد عرضت جارية بثلاثمائة دينار، فلما علمها إبراهيم بن المهدي الغناء عرض في ثمنها ثلاثة آلاف دينار،
38
وقد بيعت عريب المغنية الشهيرة بخمسة آلاف دينار.
39
ودحمان يشتري جارية بمائتي دينار، فيعلمها ويبيعها بعشرة آلاف دينار،
40
واشترى الرشيد جارية من الموصلي بستة وثلاثين ألف دينار يحسبها من بابته،
41
إلى كثير من أمثال ذلك.
وقد كان إبراهيم الموصلي مغني الرشيد على ما يظهر، من أكثر الناس نشاطا في تعليم الجواري وتثقيفهن، ومن أسبقهم في التوجيه إلى ذلك، يحدث ابنه فيقول: «لم يكن الناس يعلمون الجارية الحسناء الغناء، وإنما كانوا يعلمونه الصفر والسود، وأول من علم الجواري المثمنات أبي، فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ، ورفع من أقدارهن.» وفي ذلك يقول أبو عيينة الشاعر، وكان يهوى جارية يقال لها «أمان»، طلب مولاها فيها ثمنا كبيرا:
قلت لما رأيت مولى أمان
قد طغى سومه بها طغيانا
لا جزى الله الموصلي أبا
إسحاق عنا خيرا ولا إحسانا
جاءنا مرسلا بوحي من الشي
طان أغلى به علينا القيانا
من غناء كأنه سكرات الحب
يصبي القلوب والآذانا
42
وألف هو (إبراهيم الموصلي) ويزيد حوراء شركة لشراء الجواري، وتعليمهن الغناء، والمشاركة في ربحهن.
43 •••
نشر هؤلاء الجواري نوعا من الثقافة كان لا بد منه في مثل مدنية العباسيين، وهو لا بد منه في كل مدنية، وأعني بذلك الفنون الجميلة، وما يتبعها من رقي في الذوق الفني؛ فقد كان بجانب الحركة العلمية في ذلك العصر حركة أخرى لا تقل عنها شأنا، وهي الحركة الفنية من غناء وتصوير ورقص، والحق أن الناس شعروا إذ ذاك شعورا قويا بالجمال، وتفنن شعرائهم (وخاصة مسلم بن الوليد، وأبا نواس) في وصف الجمال والولوع به، وقراءته من غير ملل، كما قال أبو نواس:
للحسن في وجناته بدع
ما إن يمل الدرس قاريها
ويحكي الجاحظ: أن من رأى الديك والدجاجة يشربان الماء، وكان عطشانا ذهب عطشه من قبح حسو الديك والدجاجة، ومن رأى الحمام يشرب الماء، وكان ريان يشتهي أن يكون فيه في الماء لجمال شربه.
44
وهذا من غير شك يدل على شعور بالجمال قوي، وكان العتابي يعد جمال كل مجلس أن يكون سقفه أحمر، وبساطه أحمر، ويقول بشار:
هجان عليها حمرة في بياضها
تروق بها العينين والحسن أحمر
45
وشعروا بجمال المعنى، كما شعروا بجمال الصورة؛ فأكثروا من القول في جمال الروح وجمال الحديث. فيقول بشار:
وكأن رجع حديثها
قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها
هاروت ينفث فيه سحرا
ويقول:
وبكر كنوار الرياض حديثها
تروق بوجه واضح وقوام
والحق إن الجواري كن أكبر عامل في نشر الشعور بالجمال، وما يتبعه من فنون جميلة، وأن الناس في العصر الذي نؤرخه لم يكتفوا بالجواري من ناحية جمالهن الخلقي، بل شغفوا بهن من ناحية الجمال الفني أيضا، ليجمعوا بين الجمالين. كانوا يميلون إلى الغناء وإلى الرقص، وإلى التفنن في الملبس، وإلى غير ذلك من ضروب الفن، فأخذوا يعلمون الجواري هذه الفنون، وسرعان ما تحول النبوغ فيها من الرجال إلى الجواري، وأخذ نوابغ المغنيين يلقنون جواريهم ألحانهم وأصواتهم وطريقة غنائهم؛ فإبراهيم الموصلي يعلم جواريه فنه حتى يحسنه، وعبد الله بن طاهر كان يعلم الغناء علما تاما؛ فيصنع الأصوات يلقنها لجواريه، والمغنون ينقسمون إلى حزبين: حزب القديم، وحزب الجديد، فينقسم الجواري إلى قسمين تبعا لمن أخذن الفن عنهم، وامتلأ كتاب الأغاني بتراجم الجواري المغنيات؛ أمثال عريب ومتيم وبذل وذات الخال وفريدة وأمثالهن، وعقد الفصول الطوال في نوادرهن، وميزة كل منهن، ونوع تفوقهن.