والآن نذكر طرفا من أنواع الفنون التي نشرنها:
فأول ذلك الغناء، وقد غمرن العراق بالغناء الجيد، وما يتبعه من لهو ومجون، وقد كان هؤلاء الجواري في هذا على نوعين؛ جوار مغنيات للخاصة، فالخليفة له جوار يغنينه، والأمراء والأغنياء كذلك، ثم هم يتهادون هذه الجواري حبا في التجدد، وفرارا من الاقتصار على صوت واحد.
وهناك نوع آخر، وهو قيان عامة، وأكثر ما يكون أن نخاسا يملكهن، فيعرضهن للغناء في محال يأوي إليها الفتيان لسماعهن، والإنفاق عليهن، ومن نماذج ذلك ما حكاه لنا صاحب الأغاني عن ابن رامين؛ فقد كان له منزل بالكوفة، وله جوار مغنيات أشهرهن اسمها «سلامة الزرقاء»، وكان أجل مقين بالكوفة، يجتمع في بيته الفتيان للسماع والشراب، ويقولون فيه وفي قيناته الشعر. وممن كان يختلف إليه روح بن حاتم المهلبي، ومحمد بن الأشعث، ومعن بن زائدة، وابن المقفع، وأمثالهم يسمعون وينفقون عن سعة، وينشدون أشعار الغزل. ولما خرج ابن رامين حاجا بجواريه بكى الشعراء لخروجه، ووصفوا لوعتهم من فرقة مجلسه، كما وصفوا كثرة الناس الذين كانوا يغشون بيته؛ من ذلك قول أحدهم:
أية حال يا ابن رامين
حال المحبين المساكين
تركتهم موتى ولم يتلفوا
قد جرعوا منك الأمرين
وسرت في ركب على طية
ركب تهام ويمانين
يا راعي الذود لقد رعتهم
ويلك من روع المحبين
فرقت جمعا لا يرى مثلهم
بين دروب الروم والصين
46
وفي الحق إن هذا النوع من الجواري أثر أثرا سيئا في نشر الخلاعة والمجون، ومن قرأ رسالة القيان المنسوبة للجاحظ، أو قرأ وصف «الوشاء» في باب ذم القيان، في كتابه «الموشى»؛ أدرك ما كان لهن من أثر ترى ظله في شعر الشعراء الخليعين في ذلك العصر، وما كان أكثرهم!
47
ويعلل الجاحظ فساد هؤلاء الفتيات بقوله: «وكيف تسلم القينة من الفتنة، أو يمكنها أن تكون عفيفة؟ وإنما تكتسب الأهواء، وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي إنما تنشأ من لدن مولاها إلى أوان وفاتها فيما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث، وبين الخلعاء والمجان، ومن لا يسمع منه كلمة جد، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين، ولا صيانة مروءة، وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعدا، يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، عدا ما يدخل في ذلك من الشعر، إذا ضرب بعضه ببعض كان من ذلك عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة، ولا ترهيب من عقاب، ولا ترغيب في ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر العشق والصبوة والشوق، ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها، منكبة عليها تأخذ من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش! وهي مضطرة إلى ذلك لأنها إن أهملتها نقصت، وإن لم تستفد منها وقفت، وكل واقف فإلى نقصان أقرب.»
48
وغير هذا نشر الجواري أنواعا من الظرافة، قلدهن فيها الناس، وجروا على أثرهن، كحب الأزهار وتعشقها، فيحدثنا «الأغاني» أن «متما» جارية علي بن هشام «كان يعجبها البنفسج جدا، وكان عندها أثر من كل ريحان وطيب، حتى إنها من شدة إعجابها لا يكاد يخلو من كمها الريحان، ولا تراه إلا كما قطف من البستان.»
49
وفطن الناس إذ ذاك إلى دلالة الأزهار على المعاني فيقول شاعرهم:
أهدت إليه بنفسجا يسليه
تنبيه أن بنفسها تفديه
فارتاح بعد صبابة وكآبة
ورجا لحسن الظن أن تدنيه
ويقول آخر:
سر بالآس الذي أهدت له
ثم لما أهدت الورد جزع
ذاك أن الآس باق دائم
ولأن الورد حينا ينقطع
ونوع آخر ظريف انتشر بينهم، وهو كتابة الأشعار الرقيقة والجمل الظريفة تطريزا على الأقمصة والأردية والأكمام ونحوها. قال الماوردي: رأيت جارية ونحن عند محمد بن عمرو بن مسعدة عليها قميص مكتوب في وشاحه:
أغيب عنك بود لا يغيره
نأي المحل، ولا صرف من الزمن
وعلى طراز الرداء:
أقل الناس في الدنيا سرورا
محب قد نأى عنه الحبيب
وقال: ورأيت جارية لبعض الهاشميين، يقال لها عريب، عليها قميص موشح بالذهب، مكتوب في وشاحه: