21
والرشيد يمدحه مروان بن أبي حفصة بقصيدة، فيعطيه مالا ويعطيه عشرة من رقيق الروم
22
وكان لمحمد بن شفوف الهاشمي ثلاثة غلمان مغنيين، اثنان صقلبيان؛ خاقان وحسين، وكان خاقان أحسن الناس غناء، وكان حسين يغني غناء متوسطا، وهو مع ذلك أضرب الناس، وكان الغلام الثالث يقال له حجاج، حسن الوجه، رومي الغناء.
23
وكان لبشار جارية سوداء يقول فيها:
وغادة سوداء براقة
كالماء في طيب وفي لين
كأنها صيغت لمن نالها
من عنبر بالمسك معجون
24
وكان لأبي الشيص الشاعر جارية سوداء، وكان يتعشقها، وفيها يقول:
يا ابنة عم المسك الذكي ومن
لولاك لم يتخذ ولم يطب
ناسبك المسك في السواد وفي ال
ريح فأكرم بذاك من نسب
25
وكان لإبراهيم بن المهدي جارية رومية تكنس البيت، ولا تحسن العربية.
26
وكان للمهدي جارية نصرانية، تعلق في صدرها صليبا من ذهب.
27
إلى كثير من أمثال ذلك، فأنت ترى أن البيوت ما كانت تخلو غالبا من رقيق، جارية أو غلام، وأنهم من أجناس مختلفة، وديانات مختلفة، وثقافات مختلفة، وقد رأيت فيما قصصنا أن الخلفاء والأغنياء تركوا لمماليكهم حرية الديانة؛ فقد تكون الجارية نصرانية تلبس الصليب والزنار، وتلبس لبسها القومي وتتكلم بلغتها، ولا تحسن العربية، ولهذا من النتائج ما سننبه عليه. •••
اتجه العباسيون إلى تعليم الجواري - على اختلاف أنواعهن - اتجاها قويا، وأكثر عنايتهم كانت بتعليمهن الغناء؛ فقد انتشر الغناء في هذا العصر انتشارا عظيما، وعد حاجة من حاجات الإنسان الضرورية، فترى المغنين والمغنيات في المحال العامة، وفي الشوارع، وفي قصور الخلفاء، وفي بيوت الأغنياء والفقراء، ونما ذوق الناس في الغناء نموا غريبا، وملئت الكتب بالحكايات عنه، وشغف الناس به حتى ليغني مغن على الجسر فيجتمع السامعون حوله، ويخاف من سقوط الجسر بهم،
28
وحتى كان بعضهم يكاد ينطح العمود برأسه من حسن الغناء.
29
ولم يتحرج الخلفاء ولا أولادهم من اختراع الأصوات، والتغني بها، فصاحب الأغاني يحدثنا أن الواثق والمنتصر كان لهما أصوات يغنى بها، وكانا يجيدان ذلك،
30
وعقد فصلا طويلا ممتعا لأولاد الخلفاء وصنعتهم في الغناء،
31
وكان لعلية بنت الخليفة المهدي ثلاثة وسبعون صوتا (دورا)، ويحدث أحمد بن أبي داود القاضي فيقول: كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله، فخرج المعتصم يوما إلى الشماسية في حراقة يشرب، ووجه في طلبي فصرت إليه، فلما قربت منه سمعت غناء حيرني، وشغلني عن كل شيء، فسقط سوطي من يدي، فالتفت إلى غلامي أطلب منه سوطه، فقال لي: قد والله سقط سوطي، فقلت له: فأي شيء كان سبب سقوطه؟ قال: صوت سمعته شغلني عن كل شيء فسقط سوطي من يدي، فإذا قصته قصتي! قال: وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء، وما يستفز الناس منه، ويغلب على عقولهم، وأناظر المعتصم فيه، فلما دخلت عليه يومئذ أخبرته بالخبر فضحك وقال: هذا عمي كان يغنيني:
إن هذا الطويل من آل حفص
نشر المجد بعدما كان ماتا
فإن تبت عما كنت تناظرنا عليه في ذم الغناء سألته أن يعيده. ففعلت وفعل، وبلغ بي الطرب أكثر مما بلغني عن غيري فأنكره، ورجعت عن رأيي منذ ذلك اليوم.
32
دعاهم الشغف بالغناء إلى تعليمه الجواري للتمتع بغنائهن ومنظرهن معا، وتعلم الغناء استتبع تعلم الأدب؛ لأن الناس في ذلك العصر كانوا يتغنون بالشعر العربي الفصيح، مثل شعر عمر بن أبي ربيعة، وبشار، ومسلم بن الوليد، وأبي العتاهية، والمغنية لا تحسن أن تغني هذه الأشعار إلا إذا حفظت كثيرا من الشعر، وأجادت مخارج الحروف، واطلعت على كثير من الأدب.
بل رأينا أحاديث كثيرة عن مغنيات كن يغنين بما يخترعن من شعر وصوت، يقول أبو دلامة من شعر له:
هذي رسالة شيخ من بني أسد
يهدي السلام إلى العباس في الصحف
تخطها من جواري المصر كاتبة