النظام
كان «النظام» آية في النبوغ: حدة ذهن، وصفاء قريحة، واستقلال في التفكير، وسعة اطلاع، وغوص على المعاني الدقيقة، وصياغة لها في أحسن لفظ وأجمل بيان.
وكان في ذلك كله أقدر من أستاذه العلاف، حتى لقد حكموا أن العلاف يذوب أمامه كما يذوب الثلج في الحرارة. روى الجاحظ أنه «قيل لأبي الهذيل: إنك إذا راوغت واعتللت وأنت تكلم النظام فأحسن حالاتك أن يشك الناس فيك وفيه. وقال: خمسون شكا خير من يقين واحد».
106
وهو إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام البصري (وكان من الموالي)، تتلمذ للعلاف في الاعتزال، ثم انفرد عنه وكون له مذهبا خاصا وعاش في بغداد حينا، ومات وهو شاب في نحو السادسة والثلاثين من عمره سنة 221، وكان أستاذ الجاحظ.
وكان له ناحيتان بارزتان: ناحية أدبية، وناحية كلامية أو لاهوتية؛ فهو من ناحيته الأدبية قد عرف بالغوص على المعاني الرقيقة الدقيقة، وصوغها في قالب ظريف. روى الأغاني «أن المأمون هجر عريب، ثم اعتلت فعادها. فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا. فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة، ثم قال: أترى هذا لو كان من كلام النظام ألم يكن كبيرا!».
107
وروي أنه دخل وهو صغير على الخليل بن أحمد، وفي يد الخليل قدح زجاج، فقال له الخليل: صف هذه الزجاجة. قال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح. قال: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراءها. قال: فذمها. قال: يسرع إليها الكسر ولا تقبل الجبر. قال: فصف إلي هذه النخلة، وأومأ إلى نخلة في داره. قال: بمدح أم بذم؟ قال: بمدح. قال: حلو جناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها. قال: فذمها. قال: صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: «يا بني نحن إلى التعلم منك أحوج».
108
وأثرت عنه الجمل القصيرة اللطيفة، كقوله - وقد ذكر عنده عبد الوهاب الثقفي -: «هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، ومن خصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، ومن طاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصال الدائم، والشباب الناعم».
109
وقال: «الذهب لئيم، لأن الشكل يصير إلى شكله، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام». «وكان النظام (على عكس أستاذه أبي الهذيل) له بصر بوجوه الإنفاق، وكان السلطان يصله بالكثير، فإذا اجتمع له مال حبس لنفسه بلغة، وفرق الباقي في أبواب المعروف. قيل له في ذلك فقال: من حق المال علي أن أطلبه من معدنه، وأصيب به الفرصة عند أهله، ومن حقي عليه أن يقيني السوء بنفسه، ويصون عرضي بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلا بأن أسمح به. ألا ترى ذا الغنى ما أدوم نصبه، وأقل راحته، وأخس - من ماله - حظه، وأشد - من الأيام - حذره؛ وأغرى الدهر بثلبه ونقصه، ثم هو بين سلطان يرعاه، وذوي حقوق يسبونه، وأكفاء ينافسونه، وولد يريدون فراقه، قد بعث عليه الغني من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغي، ومن ذوي الحقوق الذم، ومن الولد الملال؛ وذو البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من المحذور، ورضي بالكفاف فتنكبته الحقوق».
110
ومن كلامه: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه لك البعض على خطر». وسمع وقع الصواعق ودوى الريح فقال: اللهم إن كان عذابا فاصرفه، وإن كان صلاحا فزد فيه، وهب لنا الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء؛ اللهم إن كانت منحة فمن علينا بالعصمة، وإن كان عقابا فمن علينا بالمغفرة. وكان يقول: ثلاثة أشياء تخلق العقل وتفسد الذهن: طول النظر في المرآة، والاستغراق في الضحك، وطول النظر إلى البحر. ومن ظرفه أنه كان يقول: «لا أقول مت قبلك، لأني إذا مت قبله مات هو بعدي، ولكني أقول مت بدلك». وسئل: أي أمور الدنيا أعجب؟ فقال: «الروح». وله تعليقات لطيفة على بعض ما يروى له من أحداث، فقد روي له أن عبد الملك بن مروان توعد الناس فقال: والله ما أنا بالخليفة المستضعف (يعني عثمان)، ولا أنا بالخليفة المداهن (يعني معاوية)، ولا أنا الخليفة المأمون (يعني يزيد بن معاوية)، فقال النظام: والله لولا نسبك من هذا المستضعف، وسببك من هذا المداهن لكنت منها أبعد من العيوق. إلخ.