وكان يرى أن الإنسان مكلف بالأشياء التي يستطيع العقل التمييز فيها بين الخير والشر ولو لم تصل إليه أوامر الشرع، وإن قصر في ذلك استوجب العقوبة؛ فيجب عليه الصدق والعدل والإعراض عن الكذب والجور ولو لم يصله شرع في ذلك، لأن العقل يستطيع أن يدرك حسنها وقبحها لما فيها من صفات تجعلها حسنة أو قبيحة.
وقد اقتبس أبو الهذيل مسائل كثيرة من الفلسفة اليونانية، طبيعية وإلهية، وربما كان هو أول من أثارها في الإسلام، وتبعه الناس بعد، ينظرون فيها ويوسعونها ويبدون فيها آراءهم المختلفة؛ فقد أثار الكلام في الجسم ما هو؟ فكان أبو الهذيل يقول: إن الجسم ما له يمين وشمال، وظهر وبطن، وأعلى وأسفل، وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء؛ فتكلم في الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ ما هو؟ وهل له جميع صفات الجسم؟ فكان يرى أنه يتحرك ويسكن ويماس، ولكن لا يحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئا من الأعراض غير ما ذكرنا، فإذا اجتمعت ستة جواهر وكونت جسما استطاعت إذا أن تتحمل بقية الأعراض.
وبحث في أن جوهر العالم واحد (يعني العنصر الذي ينبني منه العالم) أو جواهر مختلفة - وبحث في حركة الجسم هل تنقسم على عدد أجزائه، وكذلك اللون، فكان يرى أن الحركة تنقسم، فما حل في جزء الجسم من الحركة غير ما حل في جزء آخر، وكذلك اللون، وأن الحركة تنقسم بالزمان، فما وجد منها في زمان غير ما وجد منها في زمان آخر، إلخ. وبحث في رؤية الأجسام والأعراض، فكان يذهب إلى أنهما يريان، فالإنسان يرى الجسم ويرى الحركة والسكون والألوان والقيام والقعود، كما كان يذهب إلى أن الإنسان يلمس الحركة والسكون بلمسه للشيء المتحرك والساكن.
وبحث في الكمون، فكان يرى أن الزيت كامن في الزيتون، والدهن كامن في السمسم، والنار كامنة في الحجر ونحو ذلك.
وبحث في علة الخلق، فقال: إنما خلق الخلق لمنفعتهم، ولولا ذلك لكان لا داعي لخلقهم، لأن من خلق ما لا ينتفع به، ولا يزيل بخلقه ضررا، ولا ينتفع به غيره فهو عابث.
وبحث في حواس الإنسان وإدراكه وإرادته وغير ذلك مما تطول حكايته.
فترى من هذا أنه كان من أسبق الناس في الإسلام في تفتيح موضوعات لم تثر بينهم من قبل. وهذه الموضوعات قد بحثت في الفلسفة اليونانية، فأخذها وكون له فيها رأيا عرضه على المسلمين.
وكثير من هذه الموضوعات لا شأن لها بالاعتزال، ولا بالمسائل الدينية، لأنها مسائل طبيعية بحتة؛ ولكن كأن أبا الهذيل وأمثاله أرادوا أن يستعينوا بالفلسفة فعكفوا على ما وصل إلى أيديهم ليستخرجوا منها ما يثبت مذهبهم، ثم إذا هم يشتاقون إلى الفلسفة للفلسفة - على أنهم في كثير من الأحيان أدخلوا هذه المسائل الطبيعية في الدين، وولدوا منها مسائل دينية؛ كالذي رأيت في بحث أبي الهذيل في الحركة، فقد قاده إنكار أن الحركة لا تتناهى، إلى القول بأن حركات أهل الجنة وأهل النار تنقطع، فصدم بذلك بعض التعاليم الدينية.
كما يصح أن نستنتج من هذا أن هذه المسائل كانت أبحاثا مفرقة لا يؤلف بينها نظام. ويظهر أن مسلك العالم في ذلك الزمان لم يكن تفكيرا منظما يرتب به أصول المسائل، وينتقل من أصل إلى أصل، يربط بينهما رباط منطقي، ثم يستنتج الفروع من الأصول على نظام ثابت؛ بل كانت هناك آراء مبعثرة يتلقفها هؤلاء المعتزلة، ويضعون كل مسألة تحت البحث والجدل، أو بعبارة أخرى يثيرون حولها «الكلام»، وهذا الكلام يجري من شيء إلى شيء. وكثيرا ما يثير الجدل مسائل ليس يربط بعضها ببعض رباط - ومن أجل ذلك حاولت في أبي الهذيل العلاف أن أنقل كل ما روي عنه فيما بين يدي من كتب الكلام، وفكرت في أن أؤلف منها نظاما مسلسلا، وأصولا أساسية وضعها وفرع منها فلم أستطع، وكذلك كان شأني مع غيره من المعتزلة، وهذا يرجع إلى أحد سببين: إما أنهم وضعوا كتبا منظمة فلما ضاعت لم يبق لدينا منها إلا المسائل المبعثرة التي رويت لنا، وهذا عندي بعيد، لأن عناوين الكتب التي روي لنا أنهم ألفوها لا تدل على نظام في البحث، وإنما أكثرها جدل لأهل الديانات الأخرى والمذاهب المختلفة. والسبب الثاني الذي أرجحه هو أن المسائل التي كانوا يثيرونها كانت تخضع للفرص والاتفاق وتشعب الجدل أكثر من خضوعها للنظام ووضع الأصول، وكان هذا طبيعيا؛ فالمعتزلة أول من تعرض لهذا الضرب من البحث. وكل بحث في فرع من فروع العلم يأتي أولا مبعثرا ثم يدخله النظام والترتيب، فكان عملهم إرهاصا لعمل فلسفي منظم يأتي بعد، يقوم به أمثال الكندي والفارابي وابن سينا.