تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجاءه رجل فقال: أشكلت علي آيات من القرآن توهمني أنها ملحونة، فقال أبو الهذيل: أأجيبك بالجملة، أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة. فقال أبو الهذيل: هل تعلم أن محمدا كان من أوسط العرب، وأن العرب كانوا أهل جدل؟ قال: نعم. قال: فهل تعلم أن العرب اجتهدوا في تكذيبه؟ قال: نعم. قال فهل تعلم أنهم عابوه باللحن؟ قال: لا. قال أبو الهذيل: فتدع قولهم مع علمهم باللغة، وتأخذ بقول رجل من الأوساط؟

وقد اشتهر أبو الهذيل بالجدل والإقناع من أقرب طريق، حتى يروي الخطيب البغدادي أن لصا لقيه فأمسك بمجامع جيبه (الجيب فتحة الرقبة) وقال له: انزع ثيابك. فقال أبو الهذيل: استحالت المسألة. قال: وكيف؟ قال تمسك بموضع النزع وتقول لي انزع، أأنزعه من ذيله أم من جيبه؟ قال: أنت أبو الهذيل؟ قال: نعم. فتركه.

ودخل على الحسن بن سهل فلقي عنده رجلا يدعي التنجيم، فقال له أبو الهذيل: إنه عمل باطل. فسأله البرهان، وكان في المجلس تفاح؛ فقال: آكل هذه التفاحة أم لا؟ قال المنجم: تأكلها. فوضعها أبو الهذيل وقال: لست آكلها. قال المنجم. فتعيدها إلى يدك وأعيد النظر. فوضعها وأخذ غيرها. فقال له الحسن: لم أخذت غيرها! قال: لئلا يقول لي لا تأكلها فآكلها خلافا عليه فيقول. قد أصبت في المسألة الأولى.

آراءه وتعاليمه:

كان لأبي الهذيل آراء يتميز بها عن سائر المعتزلة، وكان أتباعه في هذه الآراء يسمون «الهذيلية»؛ من ذلك ما أسلفنا الإشارة إليه من إنكاره لصفات الله في الحقيقة، فهو يقول: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة هي ذاته، وهكذا يريد أن ليس شيء في الحقيقة غير الذات، وصفة العلم والقدرة ونحوهما ليست إلا مظاهر لذاته؛ فمظاهر الخلق في نظرنا تدل على قدرته، فنقول إذ ذاك إنه قادر، وتدل على العلم، فنقول إنه عالم، وفي الحقيقة لا شيء غير ذاته. وقد قال الأشعري: «إن أبا الهذيل أخذ قوله من أرسطو، فإن أرسطو قال في بعض كتبه: إن البارئ علم كله، قدرة كله، حياة كله، سمع كله، بصر كله؛ فحسن أبو الهذيل لفظة أرسطو وقال: علمه هو هو، وقدرته هي هو».

105

كان يرى أن للعالم كلا وجميعا، ونهاية، وغاية، لأنه محدث، والمحدث مخالف للقديم؛ فإذا كان القديم ليست له غاية ولا نهاية، وجب أن يكون للمحدث غاية ونهاية، ولأن المحدثات ذات أبعاض، وما كان كذلك فواجب أن يكون له كل ونهاية. فلما اعترض عليه - في قوله هذا - بنعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، وأنهما لا نهاية لهما، لم ير هذا الرأي، وقال: إني لا أفهم حركات لا تنتهي، ولذلك يجب أن نقول إن حركات أهل الجنة وأهل النار تنقطع، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم خمودا، وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.

ومن المسائل التي اشتهر بها أبو الهذيل رأيه في «إرادة الله»، وهي مسألة من المسائل المشكلة في الصفات أشرنا إليها فيما قبل؛ ذلك أن الإرادة التي نفهمها في الإنسان صفة من وظيفتها ترجيح أحد طرفي المقدور، فإذا أردت القراءة في كتاب، فقد رجحت القراءة على عدم القراءة، وكانت القراءة وعدمها مقدورين لي. وقد رجحت القراءة لحكمي بأن المصلحة في القراءة تفوق المصلحة في عدمها. فما معنى الإرادة إذا نسبت إلى الله، وقد وردت النصوص بنسبتها؛ كقوله تعالى:

إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ؛ ولو فسرت الإرادة في الله كما فسرت في الإنسان لاستحال ذلك، لأن ترجيح الشيء وترتيب الفعل عليه طارئ بعد أن لم يكن، وطروء شيء على الله بعد أن لم يكن محال؛ وهذا بعينه هو الإشكال الذي أثير في مسألة العلم والقدرة، وقد مر الكلام فيهما، فكان أبو الهذيل يرى في إرادة الله أنها ضرب من ضروب العلم، وله على ذلك شرح طويل.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٤٦