100
ويقول فيه الخياط: «وهو نسيج وحده، وواحد دهره في البيان ومعرفة جيد الكلام».
101
وقد ناظر صالح بن عبد القدوس فأفحمه فقال فيه صالح:
أبا الهذيل جزاك الله من رجل
فأنت حقا لعمري مفصل جدل
كما أنه اتصل بالفلسفة اليونانية وقرأ فيها. يقول النظام إنه (أي النظام) نظر في كتب الفلاسفة وهو بالكوفة، فلما ورد البصرة كان يظن أنه علم من لطيف الكلام ما لم يعلمه أبو الهذيل، قال النظام: فلما ناظرته خيل إلي أنه لم يكن متشاغلا قط إلا بها.
102
ولعل اتصاله هذا بالفلسفة اليونانية هو الذي مكنه من تنظيم مبادئ المعتزلة؛ وفتح له جهات نظر لم تكن تعرف من قبل.
وقد امتلأت حياته بالمناظرة والجدل مع الزنادقة، والشكاك، والمجوس، والثنوية، ورووا أنه أسلم على يده أكثر من ثلاثة آلاف رجل.
وصوره الجاحظ في كتاب البخلاء صورة ظريفة، فعده أبخل المعتزلة،
103
وقال: إن أبا الهذيل كان أسلم الناس صدرا، وأوسعهم خلقا، وأسهلهم سهولة، أهدى إلى مويس بن عمران دجاجة، فجعلها مثلا لكل شيء؛ فيسأل مويسا كيف رأيت الدجاجة يا أبا عمران؟ فيقول كانت عجبا من العجب، فيقول: وتدري ما جنسها وتدري ما سنها؟ وتدري بأي شيء كنا نسمنها؟ فلا يزال في هذا وأبو عمران يضحك ضحكا نعرفه ولا يعرفه أبو الهذيل، لما كان به من سلامة الصدر؛ وكانت إذا ذكرت بطة أو جزور أو بقر قال: فأين كانت هذه الجزور في الجزر من تلك الدجاجة في الدجاج؛ وإذا ذكروا ميلاد شيء أو قدوم إنسان قال: كان ذلك بعد أن أهديتها لك بسنة، وما كان بين قدوم فلان وبين البعثة بتلك الدجاجة إلا يوم. ومع هذا البخل فكان أبو الهذيل يقول: أنا رجل منخرق الكف لا أليق درهما،
104
ويدي هذه صناع في الكسب، ولكنها في الإنفاق خرقاء، كم من مائة ألف درهم قسمتها على الإخوان في مجلس!!
فهو في هذا يصوره بخيلا، ويبالغ في تصويره كعادته، كما يصوره على شيء من الغفلة؛ إذ يضحك الناس من قوله عن الدجاجة، وهو يظن أنهم معجبون لا مستهزئون، وهو مع بخله يفتخر بالكرم ويدعي التبذير والإسراف. وليس عجيبا أن يكون مع علمه الواسع بخيلا وفيه غفلة، فمن السهل اجتماع ذلك في شخص، والشواهد الواقعية عليه كثيرة. وكلام الجاحظ في شيخه مقبول مصدق، وعلى العكس من ذلك ما اتهمه به بعض المحدثين من الفجور وذكره الخطيب البغدادي، فقد جد المحدثون في وضع الأخبار لانتقاص المعتزلة لما بينهم من عداء.
ويرميه «بشر بن المعتمر» - شيخ معتزلة بغداد - بالنفاق وحب الظهور، ويقول فيه هذه الكلمة البليغة: «لأن يكون أبو الهذيل لا يعلم وهو عند الناس يعلم أحب إليه من أن يعلم وهو عند الناس لا يعلم؛ ولأن يكون من السفلة وهو عند الناس من العلية أحب إليه من أن يكون من العلية وهو عند الناس من السفلة؛ ولأن يكون نبيل المنظر سخيف المخبر أحب إليه من أن يكون نبيل المخبر سخيف المنظر، وهو بالنفاق أشد عجبا منه بالإخلاص، ولباطل مقبول أحب إليه من حق مدفوع».
وعلى الجملة فيظهر من مجموع ما نقل عنه أنه كان من ناحيته العلمية كبير العقل واسع المعرفة، ومن ناحيته اللسانية قوي الجدل فصيح المنطق، ومن ناحيته الخلقية فيه مغمز: فهو بخيل يدعي الكرم، يهمه المظهر أكثر مما يهمه المخبر، وهو إلى الغفلة أقرب منه إلى المكر والدهاء.
نموذج من جدل: (1)
قالوا إنه مات لصالح بن عبد القدوس ابن فمضى إليه أبو الهذيل فرآه حزينا فقال: لا أعرف لجزعك وجها إلا إذا كان الإنسان عندك كالزرع (يعني أن لا حياة له بعد هذه الحياة). فقال: إنما أجزع لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك. قال أبو الهذيل: وما كتاب الشكوك؟ قال: كتاب وضعته، من قرأ فيه شك فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن، وفيما لم يكن حتى يظن أنه كان. قال أبو الهذيل فشك أنت في موت ابنك وافرض أنه لم يمت وإن كان قد مات، وشك أيضا في أنه قرأ ذلك الكتاب وإن كان لم يقرأ. (2)