تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

94

كما أن المتكلمين وقوامهم المعتزلة، قد وضعوا في العربية الأسس التي بني عليها بعد «علم البحث والمناظرة». روى الراغب الأصفهاني قال: «اجتمع متكلمان فقال أحدهما: هل لك في المناظرة؟ فقال: على شرائط، ألا تغضب، ولا تعجب، ولا تشغب، ولا تحكم، ولا تقبل على غيري وأنا أكلمك، ولا تجعل الدعوى دليلا، ولا تجوز لنفسك تأويل آية على مذهبك إلا جوزت لي تأويل مثلها على مذهبي، وعلى أن تؤثر التصادق، وتنقاد للتعارف، وعلى أن كلا منا يبغي مناظرته على أن الحق ضالته، والرشد غايته».

95

فللمعتزلة الفضل الأول في وضع الأسس الأولى لعلم الكلام، وعلم البلاغة، وعلم الجدل والمناظرة، كما أنهم كانوا المنفذ الأول الذي دخل منه فلاسفة المسلمين إلى الفلسفة اليونانية، لأن المعتزلة أول من استعان بالفلسفة اليونانية، واستقوا منها في تأييد نزعاتهم، فأقوال كثيرة من أقوال النظام وأبي الهذيل والجاحظ وغيرهم، بعضها نقل بحت من أقوال فلاسفة اليونان، وبعضها دخله شيء من التعديل كما سيأتي بيانه في مواضع متفرقة. •••

ومدرسة المعتزلة تنقسم إلى فرعين كبيرين: فرع البصرة، وفرع بغداد، وفرع البصرة أسبق في الوجود، وله الفضل الأكبر في تأسيس المذهب، وأكثر استقلالا في رأيه، ويتلوه في كل ذلك فرع بغداد. ولنرسم بيانا مجملا لأشهر رجال كل فرع، ونترجم لأعلامهم: (3-1) فرع البصرة

فأهم رجال هذا الفرع:

واصل وعمرو بن عبيد

وقد سبق القول فيهما،

96

غير أنه يصح أن نقول إنا إذا وازنا بينهما وجدنا «واصلا» أوسع عقلا وأغزر علما، وكان له الفضل الأكبر في تأسيس الاعتزال على أسس علمية، ووضع الخطط في نشره، بإرسال الدعاة في الآفاق يبشرون به ويلفون الناس حوله. وكان أقدر على الجدل والمناظرة، سريع البديهة في استحضار آيات القرآن التي تؤيد مذهبه، وفي تأويل ما لا يتفق ظاهرها مع مبادئه؛ وكان أوسع معرفة للمذاهب المختلفة في عصره، ماهرا في معرفة المسالك في الرد عليها. قال بعض أصحابه: «ليس أحد أعلم بكلام غالية الشيعة ومارقة الخوارج وكلام الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين والرد عليهم منه».

97

أما عمرو بن عبيد فيظهر أنه مع علمه كان أقل من واصل بمراحل، وقد قالت أخت عمرو وكانت زوجة لواصل: «إن بينهما كما بين السماء والأرض»؛ وكان كثير التأليف، فقد ألف كتابا فيه ألف مسألة للرد على المانوية، ويقال: إنه وصل إلى أبي الهذيل العلاف قمطران من كتبه ربما كانا منبعا لعلمه.

98

ولهذا كان أكثر رجال المعتزلة تلاميذ لواصل أو تلاميذ لتلاميذه. وميزة عمرو بن عبيد كانت أبين في أنه حي القلب، يعظ فيجيد الوعظ، ثم لا يخشى في وعظه خليفة وأميرا، يحتقر عطاياهم ويعلو بنفسه على نفوسهم، وينفذ بموعظته إلى قلوبهم فيبكيهم، ثم يلحون عليه في أن يغشى مجالسهم ويتردد عليهم، فيأبى ويفر منهم. وكان إذا جادل واصلا هزمه واصل، فهو من ناحيته العقلية أقل منه، مع أنه من ذلك في منزلة رفيعة، ولكنه من ناحية قلبه وإيمانه لا يقل عن واصل إن لم يزد عليه زهدا وورعا.

وقد وصفه النظام فقال: كان عمرو بن عبيد عالما عاقلا عابدا، وكان ذا بيان وحلم وصاحب قرآن.

أبو الهذيل العلاف

ومن أقوى الشخصيات في مدرسة البصرة «أبو الهذيل العلاف»، كان رئيس الاعتزال في عصره، وإليه يرجع الفضل في تطعيم مبادئ الاعتزال بمبادئ الفلسفة. وهو محمد بن الهذيل العلاف من موالي عبد القيس، ولذلك يقال له العبدي، وقد عمر نحو مائة سنة، كانت تقريبا هي المائة الأولى للدولة العباسية؛ فقد ولد سنة 135 أي بعد ثلاث سنوات من قيام الدولة العباسية، ومات سنة 235 في أول خلافة المتوكل،

99

وبلغ ذروته في أيام المأمون، فقال الدينوري: «وعقد (المأمون) المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان أستاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل العلاف». ولقب بالعلاف لأن داره بالبصرة كانت في العلافين. وقد كان واسع الاطلاع، كثير الحفظ للشعر العربي، كثير الاستشهاد به، فصيح القول، جيد المناظرة. قال المبرد: ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة، شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت»؛

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٤٤