تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

83

فنرى من هذا أن واصلا كون حوله رجالا كثيرين، وبعث بهم إلى البلدان دعاة يدعون إلى الاعتزال وينشرونه بين الناس، وكان ناجحا في تأسيس جمعيته وتنظيمها ووضع خططها.

ويذكر ياقوت في مادة «تاهرت» وهي «مدينة بالمغرب قرب تلمسان» «أن مجمع الواصلية (أصحاب واصل بن عطاء) كان قريبا من تاهرت، وكان عددهم نحو ثلاثين ألفا في بيوت كبيوت الأعراب يحملونها».

ويقول الصفدي: «ومن وقف على طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار علم قدر ما كانوا عليه من العدد والعدد».

84

وقد اعتنق هذا المذهب كثير من الناس على اختلاف طبقاتهم من الخلفاء، أمثال: المأمون، والمعتصم، والواثق، إلى العجائز في البيوت كالذي روينا قبل عن التنوخي. ويقول الجاحظ: «سألت بعض العطارين من

أصحاب المعتزلة عن

فارة المسك فقال: ليس بالفارة وهو بالخشف أشبه. ثم قص علي شأن المسك وكيف يصطنع».

85

ويقول الأغاني: إن عبد الصمد بن المعذل كان شاعرا فصيحا من شعراء الدولة العباسية بصري المولد والمنشأ، وكان هجاء، خبيث اللسان، شديد العارضة؛ وكان أخوه أحمد أيضا شاعرا إلا أنه كان عفيفا، ذا مروءة ودين

وتقدم في المعتزلة ، وله جاه واسع في بلده وعند سلطانه لا يقاربه فيه عبد الصمد.

86

وكان بين المعتزلة صلة متينة، وعطف، وتعاون، حتى كان التآلف بينهم مضرب الأمثال؛ فقد كتب أبو محمد العلوي إلى أبو بكر الخوارزمي يقول: «إن اعتداده به اعتداد العلوي بالشيعي والمعتزلي بالمعتزلي».

87

وفي أيام المأمون والمعتصم والواثق زاد عددهم، لأن الدولة كانت دولتهم، وقد بلغوا في أيامهم أوجهم.

هذا من ناحية العدد والعدد. وقد كانوا في البلدان جاعلين لأنفسهم حق الإشراف، يستعملون حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد رأينا قبل ماذا فعل واصل وعمرو بن عبيد في بشار. ويروي الأغاني في ترجمة ابن منذر أنه كان في أول أمره يتأله، ثم عدل عن ذلك فهجا الناس، وتهتك، وخلع، وقذف أعراض أهل البصرة، وكان يهوى عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، فضايقه المعتزلة فخاف منهم، فاستنجد ببني رياح، ثم نفي من البصرة إلى الحجاز فمات هناك.

88

ثم أثاروا الفكر وحملوه على البحث ووجهوا نظره إلى مسائل لم تثر قبلهم، فأثاروا مسائل كثيرة في الإلهيات كالذي رأينا، وفي الطبيعيات، وفي السياسيات.

يقول صاحب الانتصار: «إنهم أرباب النظر دون جميع الناس، وإن الكلام لهم دون سواهم».

89

ثم هم يعقدون المجالس للمناظرات فيناظر بعضهم بعضا، ويناظرون غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى، والأديان الأخرى فيحكي صاحب الانتصار عن مجلس كان بين أبي الهذيل المعتزلي، وهشام بن الحكم الشيعي بمكة وإفحام أبي الهذيل له.

90

ويقول: «هل على الأرض أحد رد على الدهريين سوى المعتزلة، كإبراهيم النظام، وأبي الهذيل، ومعمر، والأسواري وأشباههم؟! وهل يعرف أحد صحح التوحيد، واحتج لذلك بالحجج الواضحة، وألف فيه الكتب، ورد فيه على أصناف الملحدين من الدهرية والثنوية سواهم؟!».

91

ويقول إن إبراهيم النظام وأشباهه حاطوا التوحيد ونشروه وذبوا عنه، وشغلوا أنفسهم بجوابات الملحدين ووضع الكتب عليهم، إذ شغل أهل الدنيا بلذاتها وجمع حطامها.

92

ومناظرات في خلق القرآن أيام المأمون ومن بعده ترينا جدهم في البحث والمناظرة.

وقد أنجحهم في المناظرة ما رزقه كثير منهم من رجاحة العقل وفصاحة اللسان، والقدرة على الخطابة، حتى يروي الجاحظ أن بشر بن المعتمر المعتزلي هو واضع أصول الخطابة في اللغة العربية برسالة له قيمة، وسيأتي ذكرها بعد.

93

وقد نقل الجاحظ: «أن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين (وعلى رأسهم المعتزلة) كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء، وهم تخيروا الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٤٣