تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الفصوص لعبنا

منقل كالمثل

تلوح في أكفنا

كالجوهر المفصل

تفعل فيما بيننا

فعل القضا في الدول

ويقول آخر في الشطرنج:

والصغير الحقير يسمو به السير

فيعنو له الكبير الجليل

فرزن البيدق التنقل حتى انحط عنه

في قيمة الدست فيل.

76 (3) تاريخ المعتزلة ومشهورو رجالهم

كان أهم عصر في تاريخ المعتزلة من سنة 100 إلى سنة 255ه، ففي هذا العصر تكونوا ونموا وبلغت دولتهم أوجها، وقد رأينا قبل أنهم نشأوا في أواخر العهد الأموي، وكانوا يكرهون الأمويين ويكرههم الأمويون، وأن هشام بن عبد الملك كان يكره هذه النزعة منهم، ونكل ببعض من يرى رأي القدرية، وأنهم لم يرضوا عن أحد من بني أمية كما رضوا عن يزيد بن الوليد لاعتناقه مذهبهم.

وأنهم في أول العهد العباسي كان زعيمهم عمرو بن عبيد مهادنا للمنصور لا يخرج عليه، ولكن لا يعاونه.

وفي بدء العصر العباسي نشطت دعوتهم، وبعثوا الدعاة إلى أقصى الأمصار ينشرون مبادئهم، وقد وصف ذلك شاعر المعتزلة صفوان الأنصاري أصدق وصف، إذ يقول في قصيدته التي تعد وثيقة من أهم الوثائق في أعمال المعتزلة:

له

77

خلف شعب الصين في كل ثغرة

إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر

78

رجال دعاة لا يقل عزيمهم

تهكم جبار ولا كيد ماكر

إذا قال: مروا في الشتاء تطاوعوا

وإن كان صيفا لم يخف شهر ناخر

79

بهجرة أوطان وبذل وكلفة

وشدة أخطار وكد المسافر

فأنجح مسعاهم وأثقب زندهم

وأورى بفلج للمخاصم قاهر

وأوتاد أرض الله في كل بلدة

وموضع فتياها وعلم التشاجر

80

وما كان سبحان يشق غبارهم

ولا الشدق من حيي هلال بن عامر

تلقب بالغزال

81

واحد عصره

فمن لليتامى والقبيل المكاثر

ومن لحروري

82

وآخر رافض

وآخر مرجى وآخر حائر

وأمر بمعروف وإنكار منكر

وتحصين دين الله من كل كافر

يصيبون فصل القول في كل منطق

كما طبقت في العظم مديه جازر

تراهم كأن الطير فوق رءوسهم

على عتمة معروفة في المعاشر

وسيماهموا معروفة في وجوههم

وفي المشي حجاجا وفوق الأباعز

وفي ركعة تأتي على الليل كله

وظاهر قول في مثال الضمائر

وفي قص هداب وإعفاء شارب

وكور على شيب يضيء لناظر

فتلك علامات تحيط بوصفهم

وليس جهول القوم في جرم خابر

ففي هذه القصيدة وصف المعتزلة بأن لهم دعاة بلغوا أقصى الصين وخلفها، وبلغوا المغرب الأقصى، وأن لهم من إيمانهم في دعوتهم ما يستسهلون معه الصعاب، فلا يثنيهم البرد القارس، ولا الحر القائظ، ولا تعوقهم مشقة السفر، ولا احتمال الخطر، وهم في كل بلد أوتادها كأنهم الجبال الرواسي في الثبات ومتانة العقيدة، وهم من سعة النظر ومعرفة الدين بحيث كانوا موضع الفتيا، ثم وصفهم بأنهم أهل الجدل والمناظرة، يثيرون المسائل ويبرهنون عليها، ويحركون العقول للبحث والتفكير وتقليب الآراء على وجوهها المختلفة، إلى طلاقة في اللسان، يعجز عن بلوغ شأوها سحبان، وهم حرب على أهل العقائد المختلفة يلزمونهم الحجة، ويدعونهم إلى المحجة، ينازلون الخوارج، وينازلون الروافض، ويجادلون المرجئة، ويزيلون شك الشكاك، ثم لهم سيما خلقية، فهم في سمت حسن، ورزانة وهدوء، كأن على رؤوسهم الطير، وهم الحجاج لا يعبأون بمشاق الأسفار، وهم المتعبدون تطول صلاتهم، وتطول فيها تلاوتهم، إلى صدق في القول، وصراحة في الكلام، ولهم شعار في ملابسهم وشكلهم، فهم يعتمون عمامة خاصة يعرفون بها، ويقصون أطراف الثوب (وهو كناية عن تقصيرها)، يعفون شاربهم (وهو المبالغة في قصها والأخذ منها).

وهذا يقدم لنا صورة واضحة بعض الوضوح عن انتشار المعتزلة في البلدان وأعمالهم فيها، وحياتهم النشيطة في الدعوة، وما يمتازون به من الناحية العقلية والخلقية، فيذكر المرتضى أن واصل بن عطاء بعث من أتباعه عبد الله بن الحارث إلى المغرب فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم فدخل ترمذ وناظر جهم بن صفوان حتى قطعه ... وبعث القاسم إلى اليمن، وبعث أيوب إلى الجزيرة، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة، وعثمان الطويل إلى أرمينية.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٤٢