تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

71

وإنما قال النظام ذلك لما روي له أن ابن مسعود، قال: «رأيت حراء بين فلقتي القمر»، وكان النظام يرى أن انشقاق القمر الوارد في الآية إنما يكون يوم القيامة. فترى كيف كان النظام جريئا في تحكيم المنطق في رواية ابن مسعود.

وكذلك فعل النظام فيما روي عن ابن مسعود أيضا من أنه رأى قوما من الزط فقال: «هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن»، وذلك أن المعتزلة ينكرون قدرة الناس على رؤية الجن لقوله تعالى:

يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه

يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم . يقول الزمخشري: وفي ذلك دليل بين أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة».

وقد ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان كلاما ممتعا على الجن وعدم إمكان رؤيتهم فقال: وللناس في هذا الضرب ضروب من الدعاوى، وعلماء السوء يظهرون تجويزها وتحقيقها، كالذي يدعون من أولاد السعالي من الناس، وكما يروي أبو زيد النحوي عن السعالاة التي أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم؛ فلما رأت برقا يلمع من شق بلاد السعالي حنت وطارت إليهم، وأنشدني أن الجن طرقوا بعضهم فقال:

أتوا ناري فقلت منون أنتم؟

فقالوا الجن، قلت عموا ظلاما

فقلت: إلى الطعام، فقال منهم

زعيم نحد الإنس الطعاما

ولم أعب الرواية، وإنما عبت الإيمان بها والتوكيد لمعانيها، وقد أفاض في ذلك بما يدعو إلى الإعجاب.

72

وتأول أحاديث ورد فيها رؤية الشياطين، واستهزأ بمن يعتقدها على ظاهرها.

73

وقد حكى التنوخي أن نساء المعتزلة لم يكن يخشين الجن والأرواح وكذلك صبيانهم، لأنهم لم يكونوا يسمعون أحاديث الجن من آبائهم، بل كانوا يسمعون إنكار رؤيتهم. قال: «سمعت جماعة من أصحابنا يقولون: من بركة المعتزلة أن صبيانهم لا يخافون الجن».

74

وروي أن عجوزا صالحة كانت معتزلية جلدة نزل عليها لص وكانت وحدها في البيت فشعرت به، فقالت: من هذا؟ قال: أنا رسول رب العالمين أرسلني إلى ابنك الفاسق لأعظه وأعامله بما يمنعه من ارتكاب المعاصي. فقالت: يا جبريل، سألتك بالله إلا رفقت به فإنه واحدي. وغافلته وجذبت الباب بحمية، وجعلت الحلقة في الرزة، وجاءت بقفل فأقفلته؛ فقال لها افتحي الباب لأخرج فقالت: يا جبريل، أخاف أن أفتح الباب فتذهب عيني من ملاحظتي لنورك، فقال: إني أطفئ نوري. فقالت: يا جبريل، إنك رسول رب العالمين لا يعوزك أن تخرج من السقف، أو تخرق الحائط بريشة من جناحك وتخرج. وتركته يهذي حتى جاء ابنها فمضى وأحضر صاحب الشرطة وفتح الباب وقبض على اللص.

75

وحكي أن لصا دخل دار معتزلي فأحس به فتبعه، فنزل إلى البئر فأخذ المعتزلي حجرا عظيما ليدليه عليه، فخاف اللص فقال: «الليل لنا والنهار لكم» يوهمه أنه من الجن، فهزئ المعتزلي بذلك ورمى بالحجر فهشمه.

ولنعد إلى ما كنا فيه فنقول: إن المعتزلة نقدوا الصحابة والتابعين بحرية، ورموهم بالتناقض أحيانا، فنقد النظام أبا بكر في قوله حين سئل عن آية من كتاب الله فقال : أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في آية من كتاب الله برأيي؛ ثم سئل عن الكلام فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني. قال النظام: والقول الثاني خلاف القول الأول. وعاب حذيفة بن اليمان إذ جعل يحلف لعثمان على أشياء بالله تعالى ما قالها، وقد سمعوه قالها، فقيل له في ذلك. فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله. إلى كثير من أمثال ذلك مما نقله ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث، وألف كتابه هذا للرد عليه والتوفيق بين ما ظاهره التناقض في الحديث.

وعلى الجملة فقد كان هذا وأمثاله من أكبر مظاهر المعتزلة في الإيمان بسلطان العقل وتحكيمه في كل الأمور، فلا عجب بعد أن يطلق عليهم المستشرقون اسم «العقليين». وقد استخدموا ما وصل إليه العلم والترجمة والفلسفة في عصرهم في بحوثهم الدينية، وهاجموا بذلك كله المحافظين والمتشددين، وقد أدرك ذلك الناس وعبروا عنه تعبيرا ظريفا؛ فقالوا: «النرد أشعري والشطرنج معتزلي»، لأن لاعب النرد يعتمد على القضاء والقدر، ولاعب الشطرنج يعتمد على الكد وإعمال الفكر. وفي ذلك يقول بعضهم في النرد:

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٤١