تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا استنتجنا من هذه الحكاية أن عمرو بن عبيد كان أميل لمحمد بن عبد الله بن الحسن منه للمنصور لم نبعد.

وقال الجهشياري: «إن المنصور عرض على عمرو معونته فأبى وخرج من حضرته، فلقيه أبو أيوب (المورياني وزير المنصور) فقال له: يا أبا عثمان (كنية عمرو) أظنك قد ردعت هذا الرجل (يعني المنصور) قال: نعم ... فإن استطعت أن تعين بخير فافعل، وكفى بأمة شرا أن تكون أنت المدبر لأمرها».

64

ويظهر أن الرشيد كان يكره الاعتزال والمعتزلة؛ فالجهشياري يروي أن العتابي (الكاتب الشاعر) كان يقول بالاعتزال، فاتصل ذلك بالرشيد، وكثر عليه في أمره، فأمر فيه بأمر عظيم، فهرب إلى اليمين، فكان مقيما بها حتى احتال له يحيي بن خالد البرمكي فأعاده.

65

ويقول المرتضى: «إن الرشيد منع من الجدال في الدين، وحبس أهل علم الكلام».

66

إنما حسن مركز المعتزلة وناصروا الدولة يوم اعتنق الخلفاء مبادئهم أمثال المأمون، فقد كان معتزليا في مبادئه وتصرفاته، وكذلك في أيام المعتصم والواثق. قال المسعودي: «وسلك الواثق في المذاهب (يعني مذهب الاعتزال) مذهب أبيه (يعني المعتصم) وعمه (يعني المأمون) من القول بالعدل (أي الاعتزال)»

67

فلما جاء المتوكل انصرف عن المعتزلة فانصرفوا عنه، وكاد لهم وكادوا له. •••

ثم للمعتزلة أيضا ناحية أخرى جاءتهم من تقديرهم لسلطان العقل، وهي أنهم بعد أن قرروا أصولهم، وآمنوا بها إيمانا تاما، كان ما يعارضها من آيات يؤولونها كما رأيت من قبل، وما يعارضها من أحاديث ينكرونها - وكل ذلك في جرأة وصراحة - ولذلك كان موقفهم في الحديث كثيرا ما يكون موقف المتشكك في صحته، وأحيانا موقف المنكر له، لأنهم يحكمون العقل في الحديث لا الحديث في العقل، ولنضرب لذلك بعض أمثلة:

كان عمرو بن عبيد يقول: «

لا يعفى عن السارق

دون السلطان» أي لا يصح لأحد ولا للمسروق منه أن يعفو عن السارق إلا السلطان (كأنه ينظر في ذلك إلى أن السرقة وقد تمت ليست جريمة على المسروق منه وحده، بل هي جريمة على الأمة، فمن حق السلطان وحده أن ينظر فيها، لأنه الذي بيده حق الأمة)، فروى له بكر بن حمدان حديث صفوان بن أمية (وهو أن صفوان توسد رداء في المسجد ونام، فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به أن تقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله، هو عليه صدقة، فقال رسول الله: فهلا قبل أن تأتيني به؟»، ومعنى هذا أن صفوان كان يحق له أن يعفو عنه قبل أن يأتي به لرسول الله، وهذا مناقض لقول عمرو بن عبيد؛ فقال عمرو لبكر بن حمدان: أتحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن النبي قاله؟ فقال بكر لعمرو: أتحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن النبي لم يقله؟ فحلف عمرو».

68

واستهزأ الجاحظ بما روي أن الحجر الأسود كان أبيض فسوده المشركون، فقال: كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا.

69

وأنكروا حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته،

70

لأنه ينافي قوله تعالى:

لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار .

وأنكروا حديث: «لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن» وقالوا: ينبغي إذا أن تكون الريح عندكم غير مخلوقة، لأن كل شيء في الله قديم غير مخلوق.

وعاب المعتزلة بعض الصحابة في روايتهم أخبارا غير صحيحة، بل رموهم بالكذب أحيانا كما فعل النظام، فقد قال: «زعم ابن مسعود أن القمر انشق وأنه رآه، وهذا من الكذب الذي لا خفاء به، لأن الله تعالى لا يشق القمر له وحده ولا لآخر معه، وإنما يشقه ليكون آية للعالمين، وحجة للمرسلين، ومزجرة للعباد، وبرهانا في جميع البلاد، فكيف لم تعرف بذلك العامة، لم يؤرخ الناس بذلك العام، ولم يذكره شاعر، ولم يسلم عنده كافر، ولم يحتج به مسلم على ملحد».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٤٠