فلعل المعتزلة ورثوا أيضا كراهية بني أمية من شيوخهم هؤلاء، وبنو أمية - كما يظهر - كانوا يكرهون القول بحرية الإرادة، لا دينيا فقط، ولكن سياسيا كذلك، لأن الجبر يخدم سياستهم. فالنتيجة للجبر أن الله الذي يسير الأمور قد فرض على الناس بني أمية كما فرض كل شيء، ودولتهم بقضاء الله وقدره، فيجب الخضوع للقضاء والقدر. وجهم وإن كان جبريا إلا أنه قد ثار مع الخارجين على بني أمية، وقال بأقوال أحفظت عليه الناس، فاستغلت السياسة كراهية عامة الناس له وقتلته ...
ولما أسرف الوليد بن يزيد بن عبد الملك في الشراب واللهو والطرب وسماع الغناء، وكان متهتكا ماجنا خليعا، كان المعتزلة من أشد الناقمين عليه، والعاملين على قتله، وإحلال يزيد بن الوليد محله في الخلافة. فيقول المسعودي: «وكان خروج يزيد بن الوليد بدمشق مع
سابقة من المعتزلة
وغيرهم من أهل دارايا والمزة من غوطة دمشق على الوليد بن يزيد لما ظهر من فسقه وشمل الناس من جوره».
58
وإنما نصر المعتزلة يزيد لأنه كان دينا تقيا، وكان يعتقد مذهب المعتزلة. قال المسعودي: «وكان (يزيد) يذهب إلى قول المعتزلة وما يذهبون إليه»،
59
بل دفعت المعتزلة العصبية المذهبية على أن يفضلوا يزيد بن الوليد على عمر بن عبد العزيز، فقال المسعودي: «والمعتزلة تفضل في الديانة يزيد بن الوليد على عمر بن عبد العزيز لما ذكرنا من الديانة».
60
وقال ابن عبد الحكيم: «سمعت الشافعي يقول: لما ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه، وقرب أصحاب غيلان».
61
ولما قتل الوليد قام يزيد فقال: «إني والله ما خرجت أشرا ولا بطرا ولا طمعا ولا حرصا على الدنيا، ولا رغبة في الملك، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي، ولكني خرجت غضبا لله ولدينه، وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حين درست معالم الهدى، وطفئ نور أهل التقوى، وظهر الجبار المستحل الحرمة، والراكب البدعة؛ فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقلع عنكم، على كثرة من ذنوبكم، وقسوة من قلوبكم» إلخ.
فهم في نصرة يزيد جروا على مبدئهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فخرجوا مع إمام اعتقدوا فيه العدل، ولم يخرجوا إلا بعد أن غلب على ظنهم الفوز، وقد فازوا فعلا.
فإذا نحن وصلنا إلى العصر العباسي وجدنا عمرو بن عبيد رأس المعتزلة لا يميل إلى العباسيين ويجتهد في الهرب من أبي جعفر المنصور، وهو ينقد أبا جعفر ويعدد مظالمه. فيقول له أبو جعفر: فماذا أصنع؟ قد قلت لك خاتمي في يدك، فتعال أنت وأصحابك فاكتفي. فيقول عمرو: «ادعنا بعدلك تسخ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة، أردد منها شيئا نعلم أنك صادق».
62
وروى البغدادي «أن المنصور قال لعمرو بن عبيد: بلغني أن محمد بن عبد الله بن الحسن كتب إليك كتابا. قال (عمرو) قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه. قال: فيم أجبته؟ قال : أوليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت تختلف إلينا؛ إني لا أراه. قال (المنصور): أجل، ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي. قال (عمرو). لئن كذبتك تقية لأحلفن لك تقية، قال (المنصور): والله والله أنت الصادق البر».
63
وهذه الحكاية لها مغزاها؛ فمحمد بن عبد الله بن الحسن هذا هو زعيم الشيعة الذي خرج هو وأخوه إبراهيم على المنصور؛ وهذه القصة تدل على أن محمدا أراد أن يستعين على المنصور بعمرو بن عبيد وأتباعه من المعتزلة، فيخرج المعتزلة لقتال المنصور بالسيف؛ فلما أجاب عمرو لم يجب بأن هواه مع المنصور، ولم يتبرأ من أن هواه مع محمد، وكل ما قاله أنه لم ير استعمال السيف. فكأن عمرا يرى أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصح أن يصل إلى حد السيف؛ فهو ينكر على المنصور مظالمه بلسانه، ويعظه ويؤنبه، فأما السيف فلا. وقد اكتفى منه المنصور بذلك، ولكن فهم منه من غير شك ميله النفسي لمحمد بن عبد الله بن الحسن، ولم يعبأ كثيرا بهذا الميل متى لم يستعمل السيف؛ فمبدأ استعمال السيف في الأمر بالمعروف لم يكن رأي عمرو، وإن كان رأي غيره من بعض المعتزلة.