تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

48

إلخ.

فهذه هي الأحداث التي أشار إليها واصل أنه أحدثها في السنين الست الأخيرة من خلافته. وللمعتزلة كلام واسع مفصل في تحليل أعمال عثمان والاجتهاد في تمحيصها، وبعضهم قد دافع عنه في إسهاب، وبعضهم حمله تبعات ما فعل في إسهاب؛ وقد حكاها ابن أبي الحديد في نحو ثلاثين صفحة من القطع الكبير والخط الدقيق، فارجع إليها إن شئت؛

49

ومحل الجودة فيها أن عليها طابع المعتزلة من الحرية في الرأي وتحكيم العقل.

فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الحروب التي كانت مع علي وخصومه، رأينا أن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وقفا في الحرب بين علي وطلحة والزبير وعائشة يوم الجمل، كالموقف السابق الذي حكيناه عن واصل في عثمان وقتلته، «كان علي وطلحة والزبير وعائشة عندهم (واصل وعمرو) أبرارا أتقياء مؤمنين، قد تقدمت لهم سوابق حسنة مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وهجرة وجهاد وأعمال جميلة، ثم وجداهم قد تحاربوا وتجالدوا بالسيوف، فقالا: قد علمنا أنهم ليسوا بمحقين جميعا، وجائز أن تكون إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، ولم يتبين لنا من المحق منهم من المبطل فوكلنا أمر القوم إلى عالمه، وتولينا القوم على أصل ما كانوا عليه قبل القتال، فإذا اجتمعت الطائفتان قلنا: قد علمنا أن إحداكما عاصية لا ندري أيكما هي»

50

وذهب جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب والإسكافي (وكلهم من المعتزلة) إلى أن الحق في هذه الحرب كان مع علي، وأن طلحة والزبير وعائشة قد تابوا من خروجهم على علي، فهم لذلك يتولونهم جميعا.

51

وأما في الحرب بين علي ومعاوية فهؤلاء جميعا (واصل وعمرو وجعفر بن مبشر) يؤيدون وجهة نظر علي، «ويتبرأون من معاوية وعمرو بن العاص ومن كان في شقهما»،

52

بل إن البلخي وهو أحد شيوخ المعتزلة رمى عمرو بن العاص ومعاوية بالإلحاد، لما روي أن معاوية قال لعمرو - وقد طلب منه أن يوليه مصر - إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا، فقال عمرو: دعني منك. وقد بالغ البلخي في تفسير هذه الجملة، وقال إن عمرا يعني «دع هذا الكلام لا أصل له، فإن اعتقاد الآخرة وأنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات»، وهذا تحميل للكلام أكثر ما يحتمل؛ ثم قال البلخي: «وكان معاوية مثله في الإلحاد والزندقة».

53

وقال الجاحظ: «كانت مصر في نفس عمرو بن العاص، لأنه هو الذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر، فكان لعظمها في نفسه، وجلالتها في صدره، وما قد عرفه من أموالها لا يستعظم أن يجعلها ثمنا من دينه».

54

وإذا كان معاوية غير محق فخلافته غير صحيحة، وكذلك من ولي بعده. ولكنهم يقولون: إن الصحابة والتابعين الذين كانوا في زمن معاوية ويزيد وبني أمية معذورون في جلوسهم عنه لعجزهم عن إزالتهم ولقهر بني أمية لهم بطعام أهل الشام، و

لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .

55

وبناء على ذلك تكون نظرتهم إلى بني أمية أنهم خلفاء لا عن حق، وقد طبقوا مذهبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الصحابة والتابعين الذين كانوا في عهد الأمويين؛ فمذهبهم أنه لا يصح الخروج إلا عند غلبة الظن بنجاح الثورة. أما الخوارج الذين يجعلون الثورة واجبا فرديا مهما تكن النتيجة، فكان تاريخها ثورة مستمرة.

ولعل هذا هو السبب في أن المأمون أيام سلطة المعتزلة قد هم بلعن معاوية على المنبر بتأثير ثمامة بن الأشرس المعتزلي.

56

وكذلك لم يرضوا عن أبي موسى الأشعري وموقفه في التحكيم، فقد ذكر ابن أبي الحديد «أن أبا موسى عند المعتزلة من أرباب الكبائر، وحكمه حكم أمثاله ممن واقع كبيرة ومات عليها».

57

وعلى الجملة فيظهر أن المعتزلة كان موقفهم من الدولة الأموية موقف كراهية وإن لم يثوروا ثورة الخوارج، ولعلهم نهجوا في هذا منهج شيوخهم وأسلافهم؛ فقد رأينا قبل أن رجلا سأل الحسن البصري عن رأيه في الفتن فقال له: لا تكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء. فقال الرجل: ولا مع أمير المؤمنين؟ فقال الحسن: ولا مع أمير المؤمنين. وكان القائلون بحرية الإرادة - وهم الذين يسمون القدرية - قبل تأسيس فرقة المعتزلة من أعداء الدولة الأموية؛ فمعبد الجهني - وهو من أوائل من تكلم في القدر - خرج مع ابن الأشعث على الدولة الأموية فقتله الحجاج؛ وغيلان الدمشقي - من أوائل القدرية كذلك - قتله هشام بن عبد الملك، وجهم بن صفوان - وإن كان جبريا إلا أنه يعد من شيوخ المعتزلة لقوله بنفي الصفات كما تقول المعتزلة، وقال بخلق القرآن، وقد خرج مع الحارث بن سريج على بني أمية فقتل.

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٣٨