41
يرى أكثر المعتزلة كأكثر الفرق الإسلامية أنه لابد للمسلمين من إمام «ينفذ أحكامهم، ويقيم حدودهم، ويحفظ بيضتهم، ويحرس حوزتهم، ويعبئ جيوشهم، ويقسم غنائمهم وصدقاتهم، وينصف المظلوم، وينتصف من الظالم، وينصب القضاة والولاة في كل ناحية، ويبعث القراء والدعاة إلى كل طرف»؛ وقد خالف من المعتزلة في ذلك أبو بكر الأصم، وهشام الفوطي، فرأيا كما رأى بعض الخوارج «أن الإمامة غير واجبة في الشرع وجوبا لو امتنعت الأمة عنه استحقت اللوم، بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى، واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه، استغنوا عن الإمام».
42
واختلفت المعتزلة بينهم في اشتراط أن يكون الإمام من قريش، فاشترطها بعضهم ولم يشترطها قوم منهم، وقالوا: إن حديث «الأئمة من قريش» لم يكن متواترا، إذا لو تواتر لما ادعت الأنصار مشاركة المهاجرين في الخلافة، بل إن عمر كان يحوز إمامة المولى، فقد قال: «لو كان سالم - مولى حذيفة - حيا لوليته»، وبالغ «صرار» من المعتزلة فقال: «إذا استوى الحال في القرشي والأعجمي فالأعجمي أولى بها، والمولى أولى بها من الصميم».
43
ولعله كان يرى أن الخليفة إن لم تكن له عصبية تحميه كان خلعه أيسر إذا جار وظلم.
وتعرض المعتزلة لمسألة أبي بكر وعمر وعلي، هل خلافتهم صحيحة؟ وأيهم أفضل؟ وقد حكى ابن أبي الحديد رأي المعتزلة في ذلك فقال:
44 «اتفق شيوخنا كافة، المتقدمون منهم والمتأخرون، والبصريون والبغداديون، على أن بيعة أبي بكر الصديق بيعة صحيحة شرعية، وأنها لم تكن عن نص، وإنما كانت بالاختيار ... واختلفوا في التفصيل، فقال قدماء البصريين كعمرو بن عبيد، والنظام، والجاحظ، وثمامة بن الأشرس، وهشام الفوطي، وأبي يعقوب الشحام، وجماعة غيرهم: إن أبا بكر أفضل من علي، وهؤلاء يجعلون ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وقال البغداديون قاطبة، قدماؤهم ومتأخروهم؛ كبشر بن المعتمر، وابن صبيح، وجعفر بن مبشر، وأبي جعفر الإسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم البلخي، وتلامذته: إن عليا أفضل من أبي بكر ... وذهب كثير من الشيوخ إلى التوقف فيهما، وهو قول واصل ابن عطاء، وأبي الهذيل العلاف. وهما - وإن ذهبا إلى الوقف بين علي وبين أبي بكر وعمر - قاطعان على تفضيله على عثمان».
45
والذي دعا إلى اتفاق المعتزلة على صحة خلافة أبي بكر، حتى من قال منهم بأفضلية علي على أبي بكر، أنهم رأوا عليا بايع أبا بكر غير مكره، فلابد أن تكون بيعته صحيحة، ولا يصح أن يكونوا علويين أكثر من علي.
فإذا وصلنا إلى عثمان وقتلته وجدنا كثيرا من المعتزلة يقفون في ذلك؛ فواصل بن عطاء يقف في الحكم على عثمان لتعارض الأدلة عنده، فلعثمان مقام محمود في الجهاد بماله، وله هجرتان وسابقة إلى الإسلام، ولم يحضر بدرا فألحقه رسول الله بمن حضرها؛ ثم كانت فتوحات في الإسلام عظيمة، وسيرة في الإسلام هادية، ولم يتسبب في سفك دم، ولكنه في السنين الست الأواخر من حكمه حدثت منه أحداث، فتعارضت عنده الأدلة، فترك أمره لله.
قال الخياط المعتزلي: إن واصل بن عطاء وقف في عثمان وفي خاذليه وقاتليه وترك البراءة من واحد منهم، «وهذه هي سبيل أهل الورع من العلماء أن يقفوا عند الشبهات، وذاك أنه قد صحت عنده لعثمان أحداث في الست الأواخر، فأشكل عليه أمره فأرجأه إلى عالمه»،
46
ومثل ذلك قول أبي الهذيل العلاف. قال: لا ندري أقتل عثمان ظالما أو مظلوما.
47
قد أخذ المعتزلة على عثمان، كما أخذ عليه غيرهم، «أنه أوطأ بني أمية رقاب الناس وولاهم الولايات وأقطعهم القطائع. وفتحت أرمينية في أيامه فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان ... وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، وأعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال، في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال»