ويظهر أن بعض المعتزلة شعر بهذا الخطر فقرر مبدأ عادلا، وهو أنه لا يجوز الخروج على الإمام الجائر إلا لجماعة لهم من القوة والمنعة ما يغلب على ظنهم معها أنها تكفي للنهوض وإزالة الجور، ولا يصح الخروج إلا مع إمام عادل، ولا يتولى إنفاذ الأحكام وقطع يد السارق والقود إلا الإمام العادل، أو من يأمره الإمام العادل، لا يجوز غير ذلك.
ومن ناحية أخرى، لم يفرقوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين شيء أجمع على إنكاره كالسرقة والقتل والزنا ونحو ذلك، وبين شيء مختلف فيه كالاعتقاد بوحدة الله ذاتا وصفات، والقول بالعدل وخلق القرآن؛ فكان يجب أن يفرقوا بينهما، ويقرروا أن الأشياء المختلف فيها يجب أن يكون الأمر بالمعروف فيها والنهي عن المنكر مقصورا على المناظرة والدعوة إلى الرأي فيها بالحسنى. ولكنا نرى أن المعتزلة في أيام دولتهم عكسوا الأمر وجعلوا المسائل المختلف فيها في العقائد في الدرجة الأولى، واشتركوا مع الحكومة في فرض رأيهم بالسيف، وجعلوا المسائل الأولى في المنزلة الثانية، وهو عكس للوضع الطبيعي؛ فمسألة الاختلاف في العقائد داخل حدود الإسلام كان يجب أن تترك حرة، ولو اعتقدوا فيها أنهم على صواب وغيرهم على خطأ. أما أن يقيموا الدولة ويقعدوها ويقدموا القول بخلق القرآن على كل أمر عداه، ويجعلوا البلاد كلها موضوع محاكمة، فسوء تقدير للأمور وخطل في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد كان من أثر ذلك أن خصومهم يوم دولتهم عاملوا المعتزلة بنفس السلاح الذي استعملوه أيام سلطانهم، فضيقوا عليهم وشردوهم وصادروا كتبهم، وطبقوا عليهم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا المعنى المضطرب المفكك.
وأيا ما كان، فلسنا ننكر ما كان للمعتزلة من فضل في ترقية العقل ورفع مستواه في المملكة الإسلامية، وأنهم كانوا السابقين الأولين الذين شقوا الطريق لمن أتى بعدهم من أمثال «إخوان الصفا»، وفلاسفة المسلمين كالكندي والفارابي وابن سينا؛ وأنهم كانوا أول من فلسف الدين، وقرر سلطان العقل في أن يبحث مسائل الدين. •••
وللمعتزلة بعد ذلك آراء سياسية في الإمامة وفي أحداث التاريخ الإسلامي، وإن لم يتفقوا عليها اتفاقهم على الأصول الخمسة السابقة؛ وهم - وإن اختلفوا فيما بينهم في آرائهم - فعلى قولهم جميعا مسحة من حرية الرأي، وتشريح المسائل، ووضعها موضع النقد؛ وفي كلامهم ما يدل دلالة واضحة على أنهم وضعوا الصحابة والتابعين موضع الناس، يخطئون ويصيبون، ويصدر منهم ما يمدح وما يذم، ولم يتحرجوا من ذلك كما تحرج غيرهم؛ فوضعوا الصحابة وكبار التابعين في دائرة لا يستباح مهاجمتها. بل قالوا: «إنا رأينا الصحابة أنفسهم ينقد بعضهم بعضا، بل ويلعن بعضهم بعضا، ولو كانت الصحابة عند نفسها بالمنزلة التي لا يصح فيها نقد ولا لعن لعلمت ذلك من حال نفسها، لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن علي؛ وهذا معاوية وعمرو بن العاص لم يقصروا دون ضربه وضرب أصحابه بالسيف، وكالذي روي عن عمر من أنه طعن في رواية أبي هريرة، وشتم خالد بن الوليد وحكم بفسقه، وخون عمرو بن العاص ومعاوية ونسبهما إلى سرقة مال الفيء واقتطاعه، وقل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده، إلى كثير من أمثال ذلك ما رواه التاريخ». قالوا: «وكان التابعون يسلكون بالصحابة هذا المسلك، ويقولون في العصاة منهم هذا القول، وإنما اتخذهم العامة أربابا بعد ذلك. والصحابة قوم من الناس، لهم ما للناس وعليهم ما عليهم، من أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه، وليس لهم على غيرهم كبير فضل إلا بمشاهدة الرسول ومعاصرته لا غير، بل ربما كانت ذنوبهم أفحش من ذنوب غيرهم، لأنهم شاهدوا الأعلام والمعجزات فمعاصينا أخف لأننا أعذر».