40
وإن كان المعتزلي أخلاقيا، فكذلك يستطيع ألا يقف عند حدود الأوامر والنواهي، بل يزن الفضائل والرذائل بمقياس الزمان والبيئة ونحوهما، ويجتهد في تقرير الأخلاق كما يجتهد صاحبه في الفقه.
وقالوا بسلطان عقل الإنسان وإرادته وتحررهما من سلطان القدر؛ فالعقل حر في التفكير لم يقيده قدر سابق، والإرادة حرة في التنفيذ لم نقيدها إرادة سابقة، ومن أجل هذا تحددت مسئولية الإنسان وتعينت تبعته، فهو إذا كان حرا كان مسئولا، وإذا فقد حريته زالت تبعته، وكان كالصغير والمجنون، بل والحيوان والجماد.
ووسعوا دائرة التفكير هذه فقالوا: إن الله والعالم سائران على قوانين العدل ألزم الله بها الإنسان والتزم هو بها، أو بعبارة أخرى كتبها على نفسه، فليس يعذب مطيعا، وليس يثيب عاصيا، لأنه تقيد بقوانين العدل، وليس يدخل الجنة والنار حسبما اتفق ولا لمجرد الرغبة، بل قد كتب على نفسه أن يفعل وفق قوانين العدل؛ فالله تعالى ليس حاكما مستبدا، ولكنه حاكم التزم السير على قانون، وأوجب على نفسه العدل.
ومن مظاهر تمجيدهم للعقل تفسيرهم للقرآن بالمعقول أكثر من اعتمادهم على المنقول، وبنوا تفسيرهم على أسسهم من التنزيه المطلق، وحرية الإرادة، والعدل، وفعل الأصلح ونحو ذلك؛ ووضعهم أسسا للآيات التي ظاهرها التعارض، فحكموا بذلك العقل ليكون الفيصل بين المتشابهات، وقد كان من قبلهم يكتفون بمجرد النقل عن الصحابة والتابعين؛ فإذا جاءوا إلى المتشابهات سكتوا وفوضوا العلم إلى الله - وجرهم القول بسلطان العقل هذا إلى إنكار أحاديث تناقض أسسهم، وأخبار لا تتفق ومذهبهم، وكان هذا أحد الأسباب التي أثارت الخصومة بينهم وبين المحدثين.
وربما أخذ عليهم أنهم في سيرهم هذا وراء سلطان العقل قد نقلوا الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية، وهذا النهج إذا صح أن يقتصر عليه في الفلسفة فلا يصح أن يقتصر عليه في الدين، لأن الدين يتطلب شعورا حيا أكثر مما يتطلب قواعد منطقية؛ فالدين ليس كالمسائل الرياضية ولا كالنظريات الهندسية تتطلب من العقل حلها، وفي ذلك كل الغناء. بل الدين أكثر من ذلك يتطلب شعورا يدعو إلى العمل، وحرارة إيمان تبعث على التقوى. ونظام المعتزلة - وهو الذي جرى عليه المتكلمون بعدهم - نظام جيد التفكير ضعيف الروح، غلا في تقدير العقل، وقصر في قيمة العاطفة. يتجلى ذلك لك إذا أنت وازنته - مثلا - بمنهج الصوفية؛ فهو على العكس من المعتزلة، شعور وعاطفة ولا منطق. والنظام العقلي في الدين يقف الإنسان - في العادة - موقفا سلبيا أكثر منه إيجابيا، فالأسس الخمسة التي قال بها المعتزلة منها الأربعة الأولى لا تتطلب عملا، بل هي تنزيه لله تعالى وتحديد لموقفه مع الناس من أطاع منهم ومن عصى، وليس يتطلب العمل الإيجابي إلا المبدأ الخامس وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا نفسه ليس يتطلب من الإنسان عملا بصفته إنسانا متدينا، وإنما هو نوع من الإشراف على أعمال الغير.
وإذا وصلنا إلى هذه النقطة أمكننا أن ننقد هذا المبدأ (مبدأ الأمر بالمعروف) عندهم، فهم يرون تنفيذ ما يعتقدون وإنكار ما ينكرون ولو بالسيف، وساروا على ذلك فعلا كما روينا من تهديدهم بعض من اعتقدوا الزندقة بالقتل. وهذا من أخطر المبادئ لأنه يجعل في الأمة حكومة داخل حكومة، ويهدد الحرية العامة، فيجعل للفرد سلطانا أن يحمل السيف ليستعمله ضد مخالفه في الرأي والعقيدة. وكنت أفهم أن يقرروا أن يكون أولوا الرأي منهم مشرفين على الحكومة مراقبين لها، فإذا سارت على المنهج القويم أيدوها، وإذ ا رأوا من أحد منكرا استعدوا عليه الحكومة العادلة لتنتصف منه، وإذا لم تكن الحكومة عادلة استنكروا أعمالها وثاروا عليها إذا كان في قدرتهم الثورة. أما أن يقروا الحكومة ويعترفوا بشرعيتها وصحة بقائها، ثم يجعل كل فرد من نفسه حكومة، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ولو بالسيف، فمسلك يدعو إلى الفوضى والاضطراب.