كذلك كان نظرهم إلى عدل الله، فقد وقفوا أمام مشكلة المثوبة والعقوبة، فرأوا أن ذلك لا يكون له معنى إلا بتقرير حرية الإرادة في الإنسان، وأنه خلق أعمال نفسه، وأن في إمكانه أن يفعل الشيء وألا يفعل، فإذا فعل بإرادته وترك بإرادته، كانت مثوبته أو عقوبته معقولة عادلة؛ أما إن كان الله يخلق الإنسان ويضطره إلى العمل على نحو خاص، فيضطر المطيع إلى الطاعة، والعاصي إلى العصيان ثم يعاقب هذا ويثيب ذاك فليس من العدالة في شيء. ولعل نقطة الضعف فيهم أنهم أفرطوا في قياس الغائب على الشاهد، أعني في قياس الله على الإنسان، وإخضاع الله تعالى لقوانين هذا العالم؛ فقد ألزموا الله - مثلا - بالعدل كما يتصوره الإنسان وكما هو نظام دنيوي، وفاتهم أن معنى العدل - حتى في الدنيا - معنى نسبي يتغير تصوره بتغير الزمان، وأن ما كان عدلا في القرون الوسطى يعد ظلما الآن، فكيف إذا انتقلنا من عالم الدنيا إلى عالم الله، وكذلك الشأن في قولهم في الحسن والقبح والصلاح والأصلح. إنا نرى أن الإنسان إذا ضاق نظره حكم على الأشياء حكما، فإذا اتسع نظره تغير حكمه؛ فمن نظر فقط إلى أسرته كانت بعض أحكامه خطأ بالنسبة لمن اتسعت نظرته إلى أمه أو إلى الإنسان عامة؛ ونحن في أعمالنا ننظر إلى عالمنا، والله تعالى رب العالمين قد ينظر في أعماله إلى جميع العالم، ما نعلم منها وما لا نعلم، فكيف نخضع الله لتصور العدل الذي نتصوره نحن في عالمنا هذا. وكذلك قولهم في أن صفات الله هي عين الله أو غير الله، كل براهينهم مبنية على قياس الغائب على الشاهد ولكن الشبه معدوم؛ وقد فرضوا أن العينية والغيرية والزمانية والمكانية والسببية والمسببية ونحوها قوانين لازمة لكل موجود، وهذا - في نظري - خطأ محض، فهي قوانين إنسانية وإن تسامحنا قليلا قلنا إنها قوانين عالمنا هذا، ولسنا نستطيع القول بأنها تنطبق على غير عالمنا أو لا تنطبق - فإصدار حكمان على الله على اعتقاد أنها قوانين شاملة للإنسان والله، جرأة لا يرتضيها العقل الذي يعرف قدره ولا يعدو طوره. وليس هذا عيب المعتزلة وحدهم، بل هو عيب من أتى بعدهم من علماء الكلام كذلك.
ولكن على كل حال كان مسلك المعتزلة مسلكا لابد منه، لأنه أشبه برد فعل لحالة بعض العقائد في زمنهم. لقد قرروا سلطان العقل وبالغوا فيه أمام من لا يقر للعقل بسلطان، بل يقول نقف عند النص، فما كان محكما واضحا عملنا به، وما كان متشابها غامضا تركنا علمه إلى الله. وقال المعتزلة بحرية الإرادة وغلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان إرادته، حتى جعلوه كالريشة في مهب الريح، أو كالخشبة في اليم. وعندي أن الخطأ في القول بسلطان العقل وحرية الإرادة والعلو فيهما خير من الغلو في أضدادهما، وفي رأيي أنه لو سادت تعاليم المعتزلة في هذين الأمرين - أعني سلطان العقل وحرية الإرادة - بين المسلمين من عهد المعتزلة إلى اليوم، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي، وقد أعجزهم التسليم وشلهم الجبر، وقعد بهم التواكل.
لقد قال المعتزلة بسلطان العقل في معرفة الخير والشر؛ فليس الخير يفرض من الله فرضا على الأشياء، ولا الشر كذلك. وبعبارة أخرى ليس أمر الله بالشيء هو الذي يجعله خيرا، ولا نهيه عنه هو الذي يجعله شرا، بل الله يأمر بالشيء لأنه خير في ذاته، وينهى عنه لأنه شر في ذاته، وفي طبيعة الأشياء صفات تجعلها خيرا، وصفات تجعلها شرا، وفي وسع العقل أن يتعرف هذه الطبائع لمعرفة الخير والشر - وفي هذا المبدأ من غير شك تحرير للعقل من الجمود والوقوف عند النصوص، فالمشرع يستطيع أن يعمل عقله فيما لم يرد فيه نص ليدرك الخير فيه من الشر، ويقرر حلاله من حرامه، وليس الأمر في ذلك مقصورا على القياس، بل في إمكانه البحث، ولو لم يكن هناك أصل يقيس عليه ليزن خيره من شره، وليعرف طبيعة الشيء. وإن شئت فقل أنه يقيسه بمقياس العدالة ثم يحكم عليه بأنه يجب أن يعمل أو يجب أن يترك، فالمعتزلي إذا كان فقهيا جعله هذا المبدأ أكثر حرية؛ بل لعل فشو الاعتزال في الحنفية كان من الأسباب التي جعلتهم يركنون إلى استعمال الرأي في مذهبهم، فإن القول بالتحسين والتقبيح العقليين يحل على حرية الرأي واستعمال العقل في الحكم. و«الصفدي» في كتابه «الغيث المسجم» يقول: «إن الغالب في الحنفية معتزلة، والغالب في الشافعية أشاعرة، والغالب في المالكية قدرية (لعله يعني جبرية)، والغالب في الحنابلة حشوية».