37
وهذا المبدأ هو الذي جعل للمعتزلة موقفا فعالا في الدولة، وجعل لهم سلطانا على الناس يوم يتاح لهم ذلك، فترى - مثلا - عمرو بن عبيد - شيخ المعتزلة - يقول لعبد الكريم بن أبي العوجاء - وكان يتهم بالزندقة والإلحاد وإفساد الشباب - قد بلغني أنك تخلو بالحدث من أحداثنا فتفسده وتستزله وتدخله في دينك، فإن خرجت من مصرنا (يزيد البصرة)
وإلا قمت فيك مقاما آتي فيه على نفسك ».
38
ونرى واصل بن عطاء - شيخ المعتزلة أيضا - بالبصرة، لما ثبت له ما يشهد على إلحاد بشار يخطب فيقول: «أما لهذا الأعمى الملحد، أما لهذا المشنف المكنى بأبي معاذ من يقتله؛ أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه في جوف منزله أو في حفله.
39
وتعاون واصل وعمرو بن عبيد على الهتف به حتى نفي من البصرة، فذهب إلى حران؛ فلما مات واصل سنة 131 رجع بشار إلى البصرة، فلم يتركه عمرو بن عبيد حتى نفي ثانية، وظل ينتقل في البلاد إلى أن مات عمرو سنة 143، فعاد إلى البصرة وأقام بها.
وفي ذلك يقول صفوان الأنصاري لبشار:
رجعت إلى الأمصار من بعد واصل
وكنت شريدا في التهائم والنجد
هذه ناحية تمثل ناحية من عملهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولعل الحركة العنيفة القوية في خلق القرآن ومحنته مظهر آخر من مظاهر ما اعتقدوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سيأتي.
وكان الخوارج في هذا الباب (باب استعمال السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أشد وأقسى وأعنف، فمتى اعتقدوا الحق في شيء نفذوه بالسيف، ولهذا كان تاريخهم سلسلة حروب وخروج على الخليفة، لأنهم يرونه غير حائز للشروط التي يشترطونها، وغير سائر على المنهج الذي يرسمونه، وكأنهم يرون ذلك فرض عين، لا فرض كفاية، كما يحكي الزمخشري عن المعتزلة، وكأنهم يرون أن القتال دين حتم على كل فرد متى رأى منكرا، ولم يحكموا العقل في هل هذا القتال يوصل إلى الغاية المنشودة أو لا يوصل كما فعل المعتزلة، فالواجب في نظر الخوارج يجب أن يفعل، ثم لتكن النتيجة ما تكون، وظلوا مخلصين لهذا المبدأ طوال العهد الأموي وصدر الدولة العباسية حتى أبيدوا. (2) نقد وتحليل لأصول المعتزلة
لعل التاريخ الإسلامي لم يشهد قبل المعتزلة هذا القول الشامل الفلسفي في الله وصفاته وأفعاله، مع البراهين العقلية، والحجج النقلية، كما شهده في المعتزلة؛ فقد أطلقوا للعقل العنان في البحث في جميع المسائل من غير أن يحدوه أي أحد، فجعلوا له الحق أن يبحث في السماء وفي الأرض، وفي الله والإنسان، وفيما دق وجل، فليس له دائرة معينة له الحق أن يسبح فيها، ودائرة ليس له حق ذلك، بل خلق العقل ليعلم، وفي مكنته أن يعلم كل شيء حتى ما وراء الطبيعة أو ما وراء المادة، بل كانت أبحاثهم فيما وراء الطبيعة أوسع وأعمق من أبحاثهم الطبيعية بحكم أنهم مصلحون دينيون، ودعاة عقيدة.
وقد كانت نظرتهم في توحيد الله نظرة في غاية السمو والرفعة، فطبقوا قوله تعالى:
ليس كمثله شيء
أبدع تطبيق، وفصلوه خير تفصيل، وحاربوا الأنظار الوضعية من مثل أنظار المجسمة الذين جعلوا الله تعالى جسما، له وجه ويدان وعينان، ولحم ودم، وغاية ما قاله أعقلهم أنه جسم لا كالأجسام، وله وجه لا كالوجوه، ويد لا كالأيدي، وقالوا بأن له جهة هي الفوقية، وأنه يرى بالأبصار وأن له عرشا يستوي عليه، وأنه خلق آدم بيده، إلى آخر ما قالوا مما ينطبق على الجسمية. فأتى المعتزلة وسموا على هذه الأنظار، وفهموا من روح القرآن تجريد الله عن المادية، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا، وأولوا ما يخالف هذا المبدأ، وسلسلوا عقائدهم تسلسلا منطقيا؛ فإذا كان الله تعالى ليس مادة، ولا مركبا من مادة، فليس له يدان ولا وجه ولا عينان، لأن ذلك يدل على جزء من كل، والله تعالى ليس كلا مركبا من أجزاء، وإلا لكان مادة، وإذا كان كذلك فليست تدركه عيوننا التي خلقت، وليس في قدرتها إلا أن ترى ما هو مادة، وما هو في وجهة؛ وليس كلامه تعالى بلسان وأصوات، وإلا لكان جسما، وإنما يخلق الكلام والأصوات كما يخلق سائر الأشياء، ومن ذلك القرآن - وهكذا كانت كل نقطة تسلم إلى التي تليها، فيسيرون فيها من غير خوف من النتائج مهما كانت، متى اطمأنوا إلى أنهم يسايرون العقل؛ فهم من الناحية العقلية جريئون، يقررون ما يرشد إليه في شجاعة وإقدام وهم أمام النقل يسلمون ما يوافق منها البرهان العقلي، ويؤولون ما يخالفه، فالعقل هو الحكم بين الآيات المتشابهة، وهو الحكم على الحديث ليقرر عدم صحته إن لم يوافق العقل ويحتمل التأويل.