تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الأصل يشترك فيه المسلمون عامة عملا بقوله تعالى:

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . ولكن من عهد الصحابة إلى هذا العصر الذي نؤرخه والمسلمون مختلفون في مدى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمنهم من رأى هذا الوجوب يكفي فيه القلب واللسان إن قدر عليه، ولا يصح أن يلجأ في ذلك إلى استعمال القوة باليد أو السيف. وكان يرى هذا الرأي سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن مسلمة، ومن أجل هذا تراهم قد اعتزلوا ولم يشتركوا في القتال مع علي ومعاوية، سيرا على مبدئهم هذا، وتبعهم في هذا أكثر المحدثين وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.

ويرى غيرهم أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، فمن اعتقد الحق في جانب وجبت عليه نصرته، فإن أدى اللين واللسان إلى تحقيق هذا الغرض كفى ذلك وإلا فالسيف. وعلى هذا المبدأ سار علي ومن قاتل معه، وعائشة ومن قاتل معها، ومعاوية ومن قاتل معه، وعلى هذا المبدأ أيضا جرى المعتزلة والخوارج، فهم يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب إن كفى، وباللسان إن لم يكف القلب، وباليد إذا لم يغنيا، وبالسيف إن لم تكف اليد، لقوله تعالى:

وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ، وفي الحديث «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعذاب من عنده». ولم تتوسع كتب الفرق في شرح هذا الأصل للمعتزلة كما توسعت في الأصول الأربعة الأولى، ولعل مساسه بالسياسة هو الذي منعهم من ذلك، فهذا الأصل يحدد موقف الناس من الحكومة إذا ظلمت، ومن الخليفة أو الوالي إذا تعدى حدوده. وربما كان أوضح ما يبين وجهة نظر المعتزلة في هذا الأصل ما ذكره الزمخشري عند تفسير قوله تعالى:

ولتكن منكم أمة

وملخص ما قال: «إن هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، لأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف ونهى عن المنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيد إنكاره إلا تماديا أو على من الإنكار عليه عبث ... وقد روي عن رسول الله أنه سئل وهو على المنبر: من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم». وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنيء الفاسقين وغضب لله غضب الله له ... والأمر بالمعروف تابع للمأمور به، إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندبا فندب. وأما النهي عن المنكر فواجب كله، لأن جميع المنكر تركه واجب لاتصافه بالقبح؛ وشرط الوجوب أن يغلب على ظنه وقوع المعصية، نحو أن يرى الشارب قد تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلاته، وألا يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة - ويبتدئ في إنكاره بالسهل ، فإن لم ينفع ترقى إلى الصعب، لأن الغرض كف المنكر. قال تعالى:

فأصلحوا بينهما

ثم قال:

فقاتلوا التي تبغي . ويباشره كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه.. فهناك القبائح الظاهرة المعروفة، وهذه يتولى النهي عنها كل إنسان؛ فمن رأى غيره تاركا للصلاة وجب عليه الإنكار لأنه معلوم قبحه لكل إنسان. وأما ما يحتاج إلى قتال فإنما يقوم به من في استطاعته القتال كالإمام وخلفائه لأنهم أعلم بالسياسة ومعهم عدتها.

36

وفي مقالات الإسلاميين «أن المعتزلة قالوا إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أننا نكفي مخالفينا عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا؛ فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد، وفي قولنا في القدر وإلا قتلناهم. وأوجبوا على الناس الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه».

ضحى الإسلام · الصفحة ٣٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ضحى الإسلامص ٣٣٢