وقول المعتزلة في ذلك ينبني على تصورهم للإيمان، وتصورهم للعدل الإلهي كما شرحوه، وعلى قولهم في أن العالم سائر لغرض يرمي إلى تحقيقه، على النحو الذي حكيناه عنهم.
فعند أكثر المعتزلة الإيمان ليس هو التصديق والاعتقاد القلبي وحده، بل هو كذلك أداء الواجبات؛ فمن صدق بأن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله من غير أن يؤدي الأعمال الواجبة لم يكن مؤمنا، «فالإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح؛ وأن كل عمل فرضا كان أو نفلا إيمان، وكلما ازداد الإنسان خيرا ازداد إيمانا، وكلما عصى نقص إيمانه».
35
واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى:
وما كان الله ليضيع إيمانكم
أي صلاتكم إلى بيت المقدس، لأن الآية نزلت بعد تحويل القبلة، وقد توهم بعض الناس أن الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس قد ضاعت، فسمى الصلاة إيمانا وهي عمل؛ ومن ذلك ما ورد في الحديث من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني وهو مؤمن»، ومثل «لا إيمان لمن لا أمانة له» إلخ.
وقد كان لهم معارضون كثيرون في تحديدهم للإيمان هذا التحديد، فمنهم من رأى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط؛ ومنهم من ذهب إلى أنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان. وشغل هذا الموضوع حيزا كبيرا من كتب الكلام يذكرون فيه حجج الفرق المختلفة، وانبنى على اختلافهم في تصور الإيمان اختلافهم في هل يزيد الإيمان أو ينقص، أو لا يزيد ولا ينقص؟ إلخ.
والذي يهمنا هنا حكاية رأي المعتزلة، فبعد تعريفهم للإيمان هذا التعريف قالوا: إن المعاصي التي يرتكبها الناس تنقسم إلى صغائر وإلى كبائر، واختلفوا في تعريف الصغيرة والكبيرة؛ وأشهر أقوالهم أن الكبيرة ما أتى فيها الوعيد، والصغيرة ما لم يأت فيها الوعيد، ولهم بعد أبحاث في هل يصح أن تكون مجموعة من الصغائر تساوي كبيرة أو لا؟ وهل تغتفر الصغائر لمن لم يرتكب الكبائر؟ ونحو ذلك. ثم قالوا إن الكبائر بعضها يصل من كبره إلى حد الكفر؛ فمن شبه الله بخلقه، أو جوره في حكمه، أو كذبه في خبره فقد كفر. وهناك كبائر أقل منها منزلة، وهذه الكبائر يسمى مرتكبها فاسقا، والفسق منزلة بين المنزلتين، لا كفر ولا إيمان؛ فالفاسق ليس مؤمنا ولا كافرا: بل هو في منزلته بين المنزلتين.
ثم ربطوا الثواب والعقاب بالأعمال ربطا حتما، وغلا بعضهم في التعبير فقال: «يجب على الله أن يثبت المطيع ويعاقب مرتكب الكبيرة؛ فصاحب الكبيرة إذا مات ولم يتب لا يجوز أن يعفو الله عنه، لأنه أوعد بالعقاب على الكبائر وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده ولأن الطاعات والأمر بها، والمعاصي والنهي عنها، وضعت لتحقيق غايات، فمن لم يطع فقد أخل بهذه الغايات فاستوجب العقاب، وهذا هو معنى أصلهم الذي وضعوه وعنونوه بالقول بالوعد والوعيد، يعنون بذلك أن الثواب على الطاعات والعقاب على المعاصي قانون حتى التزم الله تعالى به».
كما قالوا: إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار ولو صدق بوحدانية الله وآمن برسله لقوله تعالى:
بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ، وقوله:
ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها
إلخ.
وكان مخالفوهم يرون أن ثواب الله فضل وعد به، خلف الوعد نقص تعالى الله عنه؛ والعقاب عدل وله العفو عنه، وليس في خلف الوعيد نقص، ومرتكبو الكبيرة من المؤمنين لا يخلدون في النار، لقوله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ؛ ومرتكب الكبيرة قد عمل خيرا وهو إيمانه، وشرا وهو كبيرته، فيعاقب على كبيرته، ثم يثاب على إيمانه.
والبحث في هذا أثار مسألة موقف المعصية من الطاعة هل تحبطها؟ فتشدد كثير من المعتزلة في ذلك حتى ذهبوا إلى أن الكبيرة الواحدة تحبط جميع الطاعات، وبعضهم يذهب إلى المعادلة، فمن زادت معاصيه على طاعاته أحبطتها، ومن زادت طاعاته أحبطت عقاب زلاته. (1-4) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر